اليعقوبي
15
البلدان
أبين من منطيقهم « 1 » ، ولا أعبد من عابدهم ، ولا أورع من زاهدهم ، ولا أفقه من حاكمهم ، ولا أخطب من خطيبهم ، ولا أشعر من شاعرهم ، ولا أفتك من ماجنهم . ولم تكن بغداد مدينة « 2 » في الأيام المتقدّمة ، أعني أيام الأكاسرة « 3 » والأعاجم « 4 » ، وإنما كانت قرية من قرى طسوج بادوريا « 5 » . وذلك أن مدينة الأكاسرة التي خاروها « 6 » من مدن العراق المدائن « 7 » ، وهي من
--> ( 1 ) المنطيق : البليغ . ( القاموس المحيط ، مادة : نطق ) . ( 2 ) كان أوّل من مصرها وجعلها مدينة المنصور بالله أبو جعفر عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب ثاني الخلفاء العباسيين ، وانتقل إليها من الهاشميّة . كان سبب عمارتها أن أهل الكوفة كانوا يفسدون جنده فبلغه ذلك من فعلهم ، فانتقل عنهم يرتاد موضعا ، فرأى موضعا طيبا ، فقال لجماعة منهم سليمان بن مجالد ، وأيوب المرزباني ، وعبد الملك بن حميد الكاتب : ما رأيكم في هذا الموضع ؟ قالوا : طيب موافق ، فقال : صدقتم ، ولكن لا مرفق فيه للرعية ، وقد مررت في طريقي بموضع تجلب إليه الميرة ( الأطعمة ) والأمتعة في البر والبحر وأنا راجع إليه وبائت فيه فإن اجتمع لي ما أريد من طيب الليل فهو موافق لما أريده لي وللناس . فأتى بعد ذلك إلى الموضع وهو بغداد وعبر موضع قصر السّلام ، ثم صلى العصر ، وذلك في صيف وحرّ شديد ، فبات أطيب مبيت ، وأقام يومه فلم ير إلّا خيرا ، فقال : هذا موضع صالح للبناء ، فإنّ المادة تأتيه من الفرات ودجلة وجماعة الأنهار ، ولا يحمل الجند والرعية إلّا مثله ، فخطّ البناء وقدّر المدينة ووضع أوّل لبنة بيده ، فقال : بسم اللّه والحمد للّه والأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، ثم قال : ابنوا على بركة اللّه . قيل : إنه أنفق على بنائها ثمانية عشر ألف ألف دينار ، وكان أوّل العمل فيها سنة 145 ه . ( معجم البلدان ج 1 / ص 543 ) . ( 3 ) الأكاسرة : مفردها كسرى ، وهو اسم كلّ ملك من ملوك الفرس . ( القاموس المحيط ، مادة : كسر ) . ( 4 ) الأعاجم : من ليس بعربي أو من كان جنسه من العجم الفرس أو الروم . ( المنجد في اللغة والأعلام ، مادة : عجم ) . ( 5 ) بادوريا : بالواو والراء ، ناحية من كورة الأستان بالجانب الغربي من بغداد . قيل : من استقلّ من الكتّاب ببادوريا استقل بديوان الخراج ، ومن استقلّ بديوان الخراج استقل بالوزارة ، وذاك لأن معاملاتها مختلفة وقصبتها الحضرة ، والمعاملة فيها مع الأمراء والوزراء والقوّاد والكتّاب والأشراف ووجوه الناس . ( معجم البلدان ج 1 / ص 377 ) . ( 6 ) خاروها : اختاروها . ( 7 ) المدائن : قال يزدجرد : إن أنوشروان بن قباذ وكان أجلّ ملوك فارس حزما ، ورأيا ، وعقلا ، وأدبا فإنه بنى المدائن ، وأقام بها هو ومن كان بعده من ملوك بني ساسان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وقد ذكر في سير الفرس أن أوّل من اختطّ مدينة في هذا الموضع أردشير بن بابك ، قالوا : لما ملك البلاد سار حتى نزل في هذا الموضع فاستحسنه فاختطّ به مدينة ، ولم نجد أحدا ذكر لم سمّيت بالجمع ، لكن الثابت أنها مساكن ملوك الأكاسرة من