محمد المقداد الورتتاني
95
البرنس في باريس
ولم يكن يخطر ببالي أنه يتغلب على حواسي . وعدم الخوف مما يخفف فيما يظهر ، وأما الوهم فإنه مما يتقوى به الألم . وأخيرا كانت قدماي غير مساعدتين لي على الوقوف والمشي بهما على خلاف ما أعهد منهما . يكثر الصداع برأس الإنسان فلا يحب إلّا الاتكاء . ويتمشى الوجع بين الرأس والقلب فيتطلب ما في المعدة الخروج قهرا ، وكلما نزلت السفينة في هوة بعد الصعود على الأمواج التي هي كالجبال إلّا ويهوي القلب في جسد الراكب حتى يكاد يتقطع ، فيتأثر جميع البدن ويكاد يغمى على الدماغ . كنت أشجع نفسي في أثناء هاته الحالة لأتمكن من إغاثة بعض القوم الذين كانوا صرعى على بساط السفينة رجالا ونساء ، غير أنني صرت لا أقدر على الحركة بالمرة . نعم كنت أشاهد الزوج لا يلوي على زوجته ولا يتذكر صديق صديقه فهم لا يعملون بما قاله ابن رشيق : ولقد ذكرتك في السفينة والردى * متوقع لتلاطم الأمواج والغيث يهطل والرياح عواصف * والليل مسود الذوايب داج وعلا لأصحاب السفينة ضجة * وأنا وذكرك في ألذ تناج ولم يجلس المسافرون على مائدة الأكل ساير اليوم وفازت السفينة بطعام الصباح والزوال والعشاء ، حيث المؤنة داخلة في معين الكراء عدا موظفا عسكريا فرانساويا أتى من المغرب الأقصى ، وذكر أنه ركب البحر نحو العشرين مرة وأن ما عرض من الاضطراب للسفينة في هاته المرة لم يعهده ، وكان كلما ضرب طبق النحاس إيذانا بأوقات الأكل يجلس على المايدة وينال مشتهاه . شكل البحر الأبيض وشؤونه بين القارات الثلاث البحر الأبيض أو الغول الأزرق ، قل ما شئت في أسمائه ، على حسب التقلب في أعماله