محمد المقداد الورتتاني
66
البرنس في باريس
سابق العلم باللغة العربية في الأزهر ، شأن كل مترجم لا يبرع في صناعته إلّا إذا كان مكينا في لغته الأصلية وفي قطرنا هي العربية . والآن مصر فيما يبلغنا عنها هي أندلس الإسلام في العلوم الأصلية والعصرية والتلميذ النجيب المتفنن بين الأمم المتلقية للعلوم من أروبا . وأرباب العلم الذين سافروا وتكبدوا المشاق وعرفوا الرجال وحلقوا في جو الأخلاق والعوائد وسبحوا في بحار الأجناس والطوائف وتقبلوا مع ليالي الدهر ، تجد بينهم وبين الذين نالوا العلم بدون ذلك فرقا كبيرا في تدقيق أصول المسائل واستنباط الجزئيات والحكم على الأمم ، لاتساع الخيال وسعة الاطلاع اللذين يتقوى بهما الإدراك الفكري ، فيكون في أخلاقهم من اللطف ونفوسهم من المروءة ما يقرب بهم إلى درجة الفلسفة والتدبر في أمور الدهر والنظر إلى الصالح العام . فهم أبرء ساحة من احتقار الأجناس أو الإجحاف بحقوق الغير ، وأبعد عن حب الأثرة أو الإعجاب بالنفس . يتجلى ذلك من مجالسة ودروس وسيرة الأستاذ الأكبر عالم القطر الشيخ سيدي سالم بوحاجب الذي سيأتي ذكره في السفر السياسي ، والممتزج بسبب العلم بأرباب التقدم في العلوم على الأساليب الجديدة ، يستفيد ملكة اجتماعية غير مسائل العلم الخاص الذي يزاوله ، لأن أصحاب النظام في العلوم أصحاب نظام أيضا في محاوراتهم وإداراتهم وشؤونهم الخاصة ، فالتحكك بهم وممارستهم تعود بخلال صالحة في عالم الاجتماع . 2 - ومن السفر للعلم حضور المجتمعات والمجالس التي يعقدها فطاحل العلماء في بعض العواصم ، يدعون لها كل من كانت له مقدرة على المشاركة في الغرض الذي عينوا البحث فيه وتحرير الرسائل في مسائله ، أو للكلام في عموم أنواع العلوم ومهمات المواضيع في زمن معين يعد له أرباب الفكر وأصحاب المقدرة ما استطاعوا مما يحسن سمعه ويروق ذكره ويفيد نشره . وربما كان للدول في جمع هاته المؤتمرات لنشر العلم وتلخيص مهمات مسائله وتمحيص حقائقها وهو من محاسن هذا العصر . وفي القديم يدعى بعض العلماء من الجهات البعيدة لتحقيق بعض المسائل يكون لهم من ورائها ذكر وغنى ، والعلم محمود العاقبة . وكان سوق عكاظ مجمعا عاما لعرض نفايس الشعر وبدايع القصايد . وأول من دعا علماء الأمم للاجتماع والبحث في العلوم الشرقية دولة فرانسا ، وأول مؤتمر كان بعاصمة العلوم باريز عام 1878 ، وسيأتي ذكر