محمد المقداد الورتتاني
330
البرنس في باريس
التأثيرات الخارجية ، وهو ما يسمونه طبيعة وبختا ونسميه قدرا مقدورا ، دبره الخالق في الأزل كان ذلك في الكتاب مسطورا . ومن أسباب إبرازه عمل الإنسان ، وأحيانا تكون أعمال الإنسان بلا جدوى ومجهوداته بدون نتيجة ويأبى الله إلّا ما أراد . وربما كان ما يجهد فيه الإنسان نفسه ليستثمره ويجتنبه ينقلب اجتهاده فيه جناية عليه . أو تكون الثمرات والترقيات للإنسان أكثر مما يعمل وأعلى مما يفكر فتتجارى إليه الأسباب طبعا ، وهي لا بد منها ، ويتهيأ له من كل أمر مراده ويتحقق عيانا ما ليس في طوق المجدود إيجاد أسبابه ، ولا التفكر في طرق أبوابه . لذلك لا تنكر الأسباب والسعي إليها ، فقد تنتج ويصيب المجتهد فيها وما باطن الأمر إلّا بيد المسيطر القدير ومخبوء عن الأبصار ، وفوق مدارك الأفكار ، لحكمة يعلمها . ولمنزله كماله تعالى وعجزنا نقدره حق قدره لأجلها ونتطلب فضله ، وترجع إليه متى عجزنا عن الأسباب ونتائجها . والفيلسوف تيارس لما أدرك هاته الحقيقة لم يحد عن هاته الطريقة . والجغرافية من عهد المأمون وكتبه ، وتأليف العلماء والرحالين من بعد ، هي أساس هذا الفن منذ أحد عشر قرنا . ومن لا يدري علم الجغرافيا لا يعلم مركزه في عالم الكون ، وليس بينه وبين أجناس المخلوقات بون . حكوا في التنكيت على الجاهل بعلم الجغرافيا ، أن حوتا رأى شبه إنسان سقط في البحر فعزم على انتشاله من الغرق ، وحمله على ظهره وسبح به البحر ليذهب إلى الشاطئ ، ثم عرض له شك في كونه إنسانا فسأله عن البيرى وهو اسم مرسى أتينة وهل يعرفها ، فأجابه بقوله يعرفها جيدا وهي ذات جبال عظمى ، فعلم من ذلك أنه حيوان غير ناطق فمال عليه وأكله . سئل بعض الناس عن أهم المراسي البحرية في مملكته التونسية فأجاب « زغوان » وهذا ذنب لا يغتفر في جانب الإنسان . وفي محادثاتي بعد الرجوع عن أماكن الترحال كان من الناس من يظن أن باريز هي مملكة فرانسا كلها ، وبعض آخر يحسب فرانسا علما على مدينة ، ومنهم من في مخيلته أنها مجاورة لجزيرة العرب لما يسمعون من كون الحجاج يركبون البحر في سفرهم . إلى غير ذلك من أوهام الخيال الذي هو كحاطب ليل بهذا الفن ، والعذر لهم حيث لم يتعلموا . ويبرهن على الاعتناء بعلم الجغرافيا قديما والتقدم فيه بإفريقيا الشمالية أن المعز لدين الله العبيدي الخليفة بالقيروان رسم صورة الأرض على بساط عجيب .