محمد المقداد الورتتاني

328

البرنس في باريس

وبالآخرة يحار في أمره فلا يدري أين يسير . فيستسلم « للمكتوب » ويلقي بنفسه في أحضان الشوارع يتلقفه واحد ويدفعه آخر ، حتى إذا آوى للفراش وحاسب نفسه على ما فعل في بياض يومه وجد صحيفة المفكرات أكثر بياضا من نهاره عدا أنه أنفق كثيرا من خطواته ودريهماته . ومن الناس من إذا سألته متى يسافر أو متى يرجع لا تجد جوابه إلّا كلمة « لا أدري » ، سأنظر . يمكن كذا الظاهر كذا . وهو من غرايب التفريط وسوء التدبير الذي لا تجده مستعملا في أقل الحاجات عند الأوروباويين . ومن كانت له معرفة ببعض أهالي البلدة التي يحل بها استفاد منها وأمن غايلتها ، فكلمة المعارف بمعانيها أنفع من المال في سائر الأحوال . 2 . « الوقت المناسب » - تحسن زيارة فرانسا وباريز في الربيع لاعتدال الهواء ووجود كافة الأهالي ومباشرتهم سائر الأعمال الاعتيادية . أما المصيف فهواء المدن الكبرى فيه حار . وأغنياء باريز « وسكان فرانسا كلهم أغنياء بالعلم والمال والتدبير » يغادرونها إلى الجهات الباردة . كما أن بعض الإدارات وديار التمثيل ومجالس السياسة لا تفتح ، إلّا أن أرباب الأسفار للخلاعة والرياضة والمداواة يناسبهم كثيرا تقضية أشهر الصيف بالعدوة الشمالية ، وبينهم وبين لهيب الشمس بشمال إفريقيا ولفح سمومها عرض البحر الأبيض حاجزا حصينا . وتقضية مدة في جهة واحدة من أروبا مما لا يروق في نظري والخريف تعصف فيه الرياح وتتهاطل الأمطار التي تحول دون التجول وتعوق عن رؤية ما يهم ويهيج البحر ، وهو السد الأكبر والطريق المخطر وفي الشتاء ، لا سبيل للإقامة في ممالك أروبا لأبناء إفريقيا الذين يشكون برد الشتاء في مملكتهم ، وهو لا يصل إلى درجة الصفر والجمود إلّا نادرا اللهم إلا نحو الكاف وكسرى : يمدح الإنسان في الصيف الشتا * فإذا جاء الشتا أنكره لا يحب المرء حالا أبدا * قتل الإنسان ما أكفره فكيف بهم في أروبا والثلج يدوم فيها متراكما عدة أشهر ، ودرجة الهواء تنزل إلى