محمد المقداد الورتتاني
317
البرنس في باريس
هاته المبرة كما هو المقصود من الوقف في الإعانة على طرق سعادة الإنسان ، والأهالي يقدرون هاته المزايا حق قدرها . خصوصا وقد شاهدنا ما قامت به الحكومة أحسن قيام في عام 1329 لمقاومة المرض الوبائي الذي هاجم المملكة وطارت شرارات ناره إلى عدة نقط من الإيالة ، فجرى عليه الحصار في أماكن ظهوره وكبسته رجال الحكومة ، ولصديقنا السيد الهادي المرابط عامل القيروان يد طولى في ذلك واعتناء غريب ، كما حاربته حكماء الطب فقضى نحبه في أمد وجيز بعد أن رمى بسهام بلائه عددا من النفوس البريئة . فلو أتى هذا العدو الفتاك والمملكة على الحالة القديمة لأباد الأمة وخرب الإيالة . ولا زالت السنون التي طمى فيها سيله سابقا على المملكة تاريخ أبناء الجيل الماضي ومن غرائب ما يقصونه ، سواء عن مشاهدة أو سماع على جيل أول القرن الرابع عشر . ذكر أبو إسحاق الرقيق القيرواني المؤرخ الشهير والكاتب الشاعر أن عام 395 كانت فيه شدة عظيمة انكشف فيها المستور ، وهلك فيها الفقير ، وذهب مال الغني ، وغلت الأسعار وعدمت الأقوات ، وجلا أهل البادية عن أوطانهم ، وخلت أكثر المنازل فلم يبق لها وارث ، ومع هذه الشدة وباء وطاعون هلك فيه أكثر الناس من غني ومحتاج ، فلا ترى متصرفا إلّا في علاج ، أو عيادة مريض أو آخذا في جهاز ميت ، أو تشييع جنازة وانصراف من دفن . وكان الضعفاء يجمعون إلى باب سلم فتحفر لهم أخاديد ويدفنون المائة والأكثر في الاخديد الواحد . فمات من طبقات الناس وأهل العلم والتجار والنساء والصبيان ما لا يحصي عددهم إلّا خالقهم تعالى . وخلت المساجد بمدينة القيروان وتعطلت الأفران والحمامات ، وكان الناس يوقدون أبواب بيوتهم وخشب سقوفهم ، وجاء خلق من أهل الحاضرة والبادية إلى جزيرة صقلية وكانت الرمانة بدرهمين للمريض في ذلك الوقت ، والفروج بثلاثين درهما ، وقيل إن أهل البادية أكل بعضهم بعضا . وفي سنة 396 كثر الخصب بإفريقية ورخصت الأسعار وارتفع الوباء عن الناس . ذكر لي راوية القيروان وواسع الخبر والبيان الشيخ سيدي محمد صدام باش مفتي القيروان ، أن عام 1284 كان الأمر فيه على هاته الحالة في القيروان . ولا خلاف في نفع المقاومة وحصول الوقاية بالمداواة وصحة التحصن من مثل هذا المرض بحمية