محمد المقداد الورتتاني

296

البرنس في باريس

في العمل بها أو فهم معناها كأنها اللغة العربية في مواطن الإيجاز متى اقتضاه الحال ، أو على لسان صياد يقول : « غزال » . فيوجزون مع الفائدة ويسمى عندهم هذا الكلام « لاكونيك » ، حيث أهالي لاكونيا « إقليم إسبرطة باليونان » أصحاب إيجاز في التخاطب . رأيت أبناء هذا الجنس يهجمون على مواضيع الكلام بدون مقدمات طويلة أو خروجات فارغة ، وأكثر مفاهماتهم في النوازل وقضاء الحوائج وإبرام الاتفاق على الملاقاة بالرسائل التي تصل إلى المخاطب بها بسرعة إذا كانت عليها تنابر ذات سانتيمات 30 . والقوم يكتب رجالهم ونساؤهم لعموم التعليم ومراعى عندهم احترام الكتاب برد الجواب ، وسائر الطبقات سواء في مراعاة هاته الآداب . وبذلك يختصر الوقت في الذهاب والإياب ولا يضيع بتعذر الملاقاة وتقضية وقت ثقيل في الانتظار بدون سابقة اتفاق على الاجتماع . ولما يعلم الجميع من نفاسة الوقت تجدهم يوجزون في الحديث ويقتصرون على المهم المفيد في ذلك الموضوع . وأبو الحسن المزني يقول : من دخل على السادة فعليه تخفيف السلام ، وتقليل الكلام ، وتعجيل القيام . ولا يقطعون حديث متكلم حتى يستوفي غرضه ، ولا يباشرون من غلط بمكروه وإنما يشيرون لذلك بلطف ، أما المتعنت فلا يجادلونه ويضيعون أوقاتهم معه . ولهم مواضيع خاصة يطيلون فيها الكلام مع الإفادة في مثل أوقات السمر ومجالس العلم وحديث المائدة . وهذا من قواعد اللغة العربية وبلاغتها في إطالة النفس وجلب ما يستحسن والإطناب بما يناسب المقام حيث الإصغاء مطلوب . وهي لا تعدم أنصارا إلى الآن « والحمد لله » في الهجوم على المقصد والإفصاح عن المراد والإعراب عما في الضمير بألفاظ عذبة وجمل قليلة ، وهاته الملكة ليست من العلم باللغة فقط ، بل من آداب الاجتماع أيضا ومروءة المتكلم والاشتغال بما يعني واعتبار قيمة الزمان . والذي أعانهم على سهولة التفاهم بين سائر الطبقات هو التعليم الصحيح لقواعد اللغة وحسن الأسلوب وتعميم القراءة والكتابة على الذكور والإناث . فمعلومات سائر الأفراد في قواعد اللغة واحدة ، وبذلك سهلت المفاهمة باللسان والقلم بدون خفاء ولا لبس . وحفظت اللغة بذلك من التحريف الذي يطرأ على اللغات حتى من ألسن أبنائها إذا كان أخذهم لها من الأم والأب فقط بدون تعليم صحيح بعد ذلك . والآفة الكبرى على اللغة لسان الدخيل الذي يلوكها كما شاء وينطق بها كما أراد ، فيضيع لهجتها