محمد المقداد الورتتاني

288

البرنس في باريس

بمناوشاتهم وكثرة تنقلاتهم ، لكنهم كانوا عاجزين عن الوقوف والثبات أمام الحديد ومتقن الحركات العسكرية . ومن كتاب « الحلل الموشية في الأخبار المراكشية » فيما يتعلق بعدم الثبات أمام متقن الحركات الحربية ولو في أدوار البساطة في السلاح : قال ابن اليسع : حدثني غير واحد من الموحدين قال : لما نزلنا من جبال تلمسان نريد بلاد زنانة اتبعنا المرابطون فتلاقينا معهم ، فصنعنا دائرة مربعة في البسيط جعلنا فيها من جهاتها الأربع صفا من الرجال بأيديهم القنا الطوال والطوارق المانعة ، ووراءهم أصحاب الدرق والحراب صفا ثانيا ، ووراءهم أصحاب المخالي فيها الحجارة ، ووراءهم الرماة نفوس الرجال وفي وسط المربعة الخيل . فكانت خيل المرابطين إذا دفعت عليهم لا تجد إلّا الرماح الطوال النازعة والحراب والحجارة والسهام ناشرة ، ولحين ما تولي من الدفع وتدبر تخرج خيل الموحدين من طرق تركوها وفرج أعدوها ، فتصيب من أصابت ، فإذا كرت عليهم دخلوا في غاب القنا وكان ذلك اليوم يعرف بيوم منداس ، فقد فيه من جيوش المرابطين ما لا يحصى ، وفي ذلك اليوم ظهر أمر عبد المومن وكثر جمعه . وبالجملة فالفرسان الذين رأيتهم في هذه الألعاب ليس لهم دور مهم ولا أعمال تذكر ، وإنما يجنون على خيلهم بتقديمها ضحايا لشفاء غليل الثيران ، ويثبتون عليها بذلك حجة الجناية فيحكمون فيها سيف القصاص من بعد . وأهم الأدوار هو الأول الذي يظهر فيه الثور بكامل قواه ثم مناوشة الرجال له بالمناديل وإشغاله والانفلات من بين يديه بها . ثم دور أصحاب السهام وشطارتهم في تثبيتها بين كتفيه . أما دور الختام وهو قتله فالغريب أن الناس إذا رأوا الضربة قاتلة صفقوا للقاتل ، ومتى شاهدوها غير كافية أشفقوا على المقتول وطلبوا الكف عنه . فما أعجب أحوال الإنسان ! انظر لأعماله في الحروب أيضا تجده كذلك ، تراه صباحا يصب النيران في صفوف القتال ليبيد بها إخوانه بني الإنسان ، وفي المساء متى عثر على جريح منهم أسعفه بالدواء وتمنى له الحياة والشفاء ، كمثل من قال في حسن الاعتذار عن بعض ملوك الدولة العباسية حين اتخذ سهاما من الذهب : ومن جوده يرمي العداة بأسهم * من الذهب الإبريز صيغت نصالها