محمد المقداد الورتتاني
259
البرنس في باريس
أصحبنا السيد بابنه على عربته فطفنا بالبستان بين جداول المياه وظلال الأشجار وصفير نوع من الطير يسمى عندهم « ميرل » . وحملنا صاحب هذا البستان أيادي الإكرام مع تحيات إلى بعض أصدقائه من أعيان الفرنساويين بتونس . بالزاك الروائي ، الذي دخلنا بيته في قصر السيد ديزفليز حول إيسودان ، ولد في تور في مبدأ الحرية بفرانسا سنة 1799 - 1850 وأكثر ما يكون النبوغ في الأفراد عند مبادي نهضة الأمة ومن الذين شبوا بلبان الدور الجديد ، وإنما العلوم تنضج في الجيل الثاني غير أن منفعة الجيل الأول أكثر ، ونوابغهم أشهر ، لما لهم من مضاء العزيمة والنفوس العصامية . انظر إلى الطبقة الأولى من تلامذة المدرسة الصادقية وكذلك الخلدونية واختبر أفراد الجيل الحاضر وهم الذين شبوا في التاريخ الجديد للمملكة التونسية تجد ما قررناه لك . وأوضح من ذلك أن كل أمة وكل عائلة لها شباب وهو مبدأ أمرها وقوة سيرها ، والشباب بالنابغين والشيخوخة بالجامدين . كان بالزاك كاتبا معينا لبعض العدول ثم ولع بالكتابة مثلما ولع الفقر المدقع بمصاحبته ليأخذ حظه منه قبل أن تدفعه عنه في آخر عمره علومه وسمعته . ومقابلة أمته له بتقديره حق قدره ، والنبوغ في التحصيل من قديم لأبناء الفقراء . ألف كثيرا في الفلسفة والروايات والانتقاد وأطوار الحياة في الحواضر والبوادي وفي الغرام ، ومبادي الدخول في معترك الحياة . ورغبت تآليفه وبذل فيها المال سلفا قبل إتمام إبرازها ، وذلك مما زاد في نشاطه إلى أن صار كأنما قلمه متخذ من الكهرباء وفيه ما فيها من المنافع مثل « 1 » السرعة « 2 » وإضاءة الأفكار « 3 » ونسمات الحرية في الصدع بما في الخاطر « 4 » وحرارة التأثير على العقول . وكان مقداما على الأعمال والأقوال وأقام في هذا القصر من عام 1835 إلى عام 1840 . وقد قدر لنا أن دخلنا بيته ورأينا صورته والقوم لهم عناية بحفظ الآثار . واعتبار أرباب الأفكار . سكان إيسودان أهل عناية بالغريب ومن أكثر الناس إكراما للضيف ، فإليهم الشكر عما صنعوه معنا وأخص منهم صديقنا الدكتور كيوم والسيد ديزيكليز ، ولا يشكر الله من لا يشكر الناس . قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان أنشدنا من شعر الجاهلية ما عفا الله عنا فيه ، فأنشده قصيدة الأعشى التي يهجو بها علقمة بن علاثة ويفضل عليه عامر بن الطفيل حين تنازعا الشرف في الجاهلية . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا