محمد المقداد الورتتاني

252

البرنس في باريس

وكنوز تستخرج بالتعليم وتستثمر بالعمل . ولا أضر بالبشر من الميل للراحة والخمول ، ومن احتقاره ما يكتب أو يصنع أو يقول . فأولئك القوم ذهبوا وأما آثارهم وأثاثهم وملابسهم فلم تذهب فهي تحدثنا عنهم كلما زرنا فرساي ورأينا بناءها ومحتوياتها . بل يتخيل أن أربابها أحياء بها ، حيث الخيام فإنها كخيامهم إلا أن ذوات الحي غير ذواتهم . ولهذا يرى الزائرون يمشون الهوينى في هاته المنازل ينظرون لأنواع المصنوعات بغاية الهدو والاحترام . وهذا من فوائد علم الآثار الذي هو التاريخ السياسي والاجتماعي والصناعي المجسم وهو أدعى للاعتبار والتقليد من جهتين مختلفتين في آن واحد . وبالجملة فإن فرساي تشهد بمنتهى الرقي في ذلك العصر للأمة وملوكها الجامعين بين السلطة والمال . وأنواع ما بها من الآثار البنائية والدهنية والنباتية والمائية والتاريخية مجموعة محاسن ، ونفايس تركتها يد المال الغزير والعلم المنوع والسلطة النافذة والذوق اللطيف من القرن 18 هدية إلى أمة القرن 20 . بعد استيفاء مشاهدة ما بفرساي خرجت إلى البطحاء الشرقية عنها وإلى مركز سكة الحديد على طريق العربات الكهربائية ، وكنت ألتفت من حين إلى آخر والطرف يستودع تلك القصور التي تملأ محاسنها الجفون ، ويقرأ ما سطرته يد الزمان على جبينها كم تركوا من جنة وعيون . وداع باريز أقمنا في هاته العاصمة الزاهرة اثني عشر يوما وهي أكثر من ثلث أيام الرحلة ، والثلث كثير ، إلا أن أمد الرحلة كله في باريز قليل . وهي مصر ، كما قال الحريري ، لنظافة مكانه ، وظرافة سكانه ، يرغب الغريب في استيطانه ، وينسيه هوى أوطانه . ألفيت هاته العاصمة كما تصفها الألسن ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين . فشكرت يد النوى ، ولكن والحمد لله لم أجر فيها طلقا مع الهوى . فارقناها على نية الرجوع ، وخاطبناها عند الركوب من قطار ليون بقول الشاعر : قولي لطيفك ينثني * عن مضجعي وقت الهجوع