محمد المقداد الورتتاني

215

البرنس في باريس

وأهملت في مرابطهم فأضاعوا ما بها من المعاني وهم لا يعلمون قيمتها ، فإن داموا على ذلك اضمحلت حياتهم وهم لا يعلمون كثيرا من غرائب المخلوقات وعجائب المصنوعات ، وبدائع المخترعات وأسرار الكائنات . وإن تعاطوا النظر وتأملوا إما باختيارهم أو بأن ساقهم القدر إلى مخالطة بعض رجال هذا الفن وشاركه في العمل ، جرت في عروقه وتسربت إلى فؤاده منزلة هذا الفن العذب . وأصبح من عشاق النظر ، وما في ملكوت السماوات والأرض من إبداع الخالق وتقليد البشر . وحصلت له ملكة في التأمل والتدقيق وأحب علوم الخط والنقش والتصوير والموسيقى ، وصار ممن يميز بين جيدها ورديئها ويرجع بها لحسن الملكة إلى تعيين أقطارها وأعصارها . وبات من الباحثين المنهمكين وممن تلذ لهم إجالة البصر فيما أبرزته يد القدرة والعقول المتنورة والأنامل البارعة والأفكار المتسعة . المسلة المصرية في باريز أكبر أثر شرقي في باريز هو المسلة المصرية الكبرى « السارية المربعة » ، في بطحاء كونكورد « الوفاق » شمال نهر الساين والقنطرة المسماة باسم هاته البطحاء المتسعة ذات الأحواض المائية والشوارع العظيمة المرتبطة بجنباتها والبساتين الممتدة بساحاتها . فبالشرق بستان لاتويلري الفسيح ، وبالغرب شانزيليزي وبالجنوب القنطرة المؤسسة سنة 1787 - 1790 وبالشمال كنيسة مادلاين . والمسلة قائمة في وسط ذلك الفضاء الشبيه بالصحراء في الجانب الغربي من باريز فتلك المسلة أبت إلا أن تكون مثلما كانت برمال مصر في قفر بطحاء موحشة ، يرجع تاريخها إلى أواسط القرن الثامن عشر وكان بها تمثال لويس الرابع عشر . وكانت تسمى باسم لويس الخامس عشر ومات بها خلق في عرس لويس السادس عشر ، وقتل بها هو وزوجه في أواخر القرن الثامن عشر . سلكتها غير مرة وموقعها تطؤه أقدام غالب سكان المدينة وتقع عليه أبصارهم ، وهي طريقهم إلى غابات بواد بولونيا غربي المدينة ، فاستوقفتني تلك المسلة الغريبة ( والغريب إلى الغريب نسيب ) وتأملت في الكتابة المصرية العتيقة