محمد المقداد الورتتاني

207

البرنس في باريس

أكمل الأحوال كان العجز رائدها والقصور دون المراد غايتها . حيث جمال الصورة في الخيال ، لا يمكن أن تعبر عنه الألسن ولا تبرزه صناعة الأيدي بحال . فكلما رسم هذا المتيم البارع صورة وعرضها على الذات التي في خياله أو على ذات جوكوندا تبدى له الفرق بينا والبون ما بينهما بعيدا . فيعمد إلى إجهاد نفسه وإفراغ حواسه في إتقان المثال ، وتعويض بعض الألوان وتحوير الأشكال ، ولكن بلاجدوى مدة أربعة أعوام وهو ما بين التفكر في صورة الخيال ومجاز المثال . فيرجع إلى إجالة النظر في ذات جوكوندا فتتزاحم لديه صور ثلاث من صنع الله ، واختراع النفس ، وريشة الدهن . فيحار ويتضاءل عمله بين يدي صنع الخلاق المختار وهذا غاية ما سمع في إجهاد النفس وتوقيف أعمالها على خدمة المحبوب وصرف النظر والفكر عمن سواه . وكأنه يتمثل بشعر إبراهيم بن علي الحصري القيرواني : إني أحبك حبا ليس يبلغه همي * ولا ينتهي فهمي إلى صفته أقصى نهاية علمي فيه معرفتي * بالعجز مني عن إدراك معرفته فلا عجب إذا قدرت النفوس منزلة هذا المصور المفتون الذي رق طبعه وخفت روحه وصفا فكره بالعلوم الرياضية ، حتى إذا فتح عينه وهي مرآة التصوير على ذات تلك الفتاة في بعض الأوقات وكان قلبه مغلقا عما سوى الولع بالعلوم انطبعت تلك الصورة جبرا في مرآة قلبه ، وكلما حاول غسلها بالتفكر فيما سواها إلّا وازدادت ارتساما فلم يجد بدا من أخذ مثال من مرآة القلب لتراها العيون الباصرة فتعذره . والعذر لهم متى كانت نظرات الفتاة في الصورة غير مفهومة وتحملت معاني كثيرة ، وكانت ملامح تبسمها مبهمة وداعية للتفكر في المراد ، فلعل هذا المحب كلما خطرت بباله هيئة الإقبال ونظرات المفاجأة بالزيارة وبوارق البشرى من الثغر رسمها كما هي ، ثم تأتي بخياله صورة ضحك المداعبة وملامح هيئة المحادثة فتنشر أنامله ثوبا رقيقا من ذلك على الذات ، ثم تمر صورة تبسم إعجابها بإقدامه على محاكاة ذاتها بفعل يمينه فيرسم مسحة من ذلك على العيون وخاتم الثغر ، ثم تظهر هيئة الوجه في حالة الوداع