محمد المقداد الورتتاني
177
البرنس في باريس
النبات . كما أن الاضطهادات التي عرضت قبل صدر الإسلام وبعده لسكان المدن وهم أضعف خلق الله أموالا وأبدانا تجهمت بها الحواضر في أعين الناس ورأوها بصفة أقفاص يسامون فيها سوء العذاب . وكلما التفتوا إلى بساط البداوة تجلى في أعينهم جميلا فتنكبوا إليه وقنعوا بما انتشر على مائدته من النبات وسروا على ما في سقفه من النجوم ، وناموا به على سرر العز فأنسوا بها وهم جوار الوحوش واستغنوا على كثير الحاجات ، وما هم فقراء ، فأخذوا بحظ من العصور الأولى لمبدأ الإنسان المسماة بالدور الذهبي لما فيه من راحة بدن الإنسان وقلبه وحواسه من التكاليف . وربما عرف أرباب التحزب للحواضر ما لأهل البداوة من مكان الاعتزاز فصمدوا إليهم في النوايب واستجاشوا بهم على أعدائهم . وهل أتاك حديث عبد المومن بن علي مع عرب سليم واستدعائه لهم بشعره للتوثب بهم على الأندلس ، وتقدم هذا في بعض الفصول من المقدمة ؛ وما لملوك بني حفص بتونس وملوك بني حمو بتلمسان في شد أزرهم والتعاظم على أعدائهم بكماة قبائل العرب . والدول تستجد عمرا جديدا سالما من الهرم متى اتخذت جندها من أهل البادية عوض المعتادين للترف على ما أشار إلى طرف من هذا ابن خلدون وخبرته المشاهدة . ولم يجهل أرباب الحضر مقام أهل البادية في الكرم فقصدوهم ابتغاء معروفهم . أما محمود الأخلاق وسلامة الأبدان وفصاحة اللسان فكفاك أن الملوك يرسلون بأبنائهم إلى البوادي ليأخذوا من جبلة أبنائها ويشبوا على كريم أخلاقها ويتغذوا بفصاحة شيحها وقيصومها . وما قررناه من أن الاضطهاد إنما عرض لسكان المدن قبل صدر الإسلام وبعده ، حيث أن صدر الإسلام استوصى بأهل المدن خيرا ، ولعل ذلك لما قررناه في شأنهم من الضعف ولكونهم أرباب الحذق في الصنائع التي تسد حاجة البشر . فمراعاتهم ومعاضدتهم من قبيل الإعانة على العمران لما لهم من الرقي الفكري في هذا الشأن . والحواضر التي تطفأ بها حرارة النفوس وتبرد العزايم وتخضع الرقاب وتستسلم الإرادة هي التي يكون بها الاضطهاد سائدا والاستبداد في الأحكام رائدا والضغط على الحرية متزايدا . فتتربى ملكة الجبن وتذهب معاني الرجولية ، وتنكسر شوكة الشهامة وتتولد الرذايل ، فتفسد الطباع ، وينكمش أرباب الأموال والعلم والصناع .