محمد المقداد الورتتاني
151
البرنس في باريس
البحيرة على شكل هلال طرفاه للجنوب وهما مصب النهر ومصدره ومحد بها للشمال ولذلك قلت في شكلها : كأنه ظهر عجوز أو ثمرة تموز . ارتفاعها 375 ميترو وطول شاطيها الشمالي 95 ميلا والجنوبي 70 وعرضها في الأكثر أميال 12 وعمقها نحو 300 ميترو ، ولا زال عمقها في نقص مما تجلبه المياه من الأتربة والحصباء فيرسب فيها . ويخرج الماء إلى فرانسا مع الرون صافيا وهي مزية كبرى لها في هذا التقطير ومن جهة انصباب الوادي فيها يخشى عليها من الانسدام . وهذا مما يؤسف له فيتعفن ماؤها ولا يبقى له رونق ولا عذوبة . أخذت مدينة جنيف التي بها نحو 150 ألفا من السكان حظا وافرا من جمال الموقع من بين سائر العواصم ، فطرف البحيرة والنهر يقسمانها نصفين شماليا وجنوبيا مدت عليهما قناطر سبعة . وأحدقت بها الجبال متدرجة في الارتفاع ، فالقريبة منها ترى دهماء بالأشجار والتي من ورائها تظهر شاهقة بيضاء بالثلوج ، يتجلى لك ذلك المنظر البديع من القنطرة الشرقية والشارع العظيم الذي جاء شمالها وكلاهما ينسب إلى ( مون بلان ) الجبل الأبيض . فكأنما تلك الجبال التي ابيضت مفارقها قامت من وراء سلاسل الجبال الصغرى الفاحمة الرؤوس . لتطل على جمال المدينة والبحيرة مثل الشيوخ وراء التلامذة في حلقات الدروس . ولما رأيت الغمام لا ينقطع من الجو هناك ولكنه متقطع تفيض عليه الشمس بكهرباء أشعتها فتصبغ طبقاته ألوانا شهية قرأت على الغمام قول الشاعر : كأذيال خود أقبلت في غلائل * مصبغة والبعض أقصر من بعض وقرأت على الجبال وحال مدينة جنيف وبحيرتها وغيم بخارها : شابت مفارقها فشبن لشيبها * طربا وعهدي بالمشيب تمسك فاليوم يوم نزاهة ولذاذة * سيطل فيه دم « الهموم » ويسفك والغيم من أرج الهواء كأنه * ثوب يعصفر مرة ويمسك