محمد المقداد الورتتاني
103
البرنس في باريس
ممازحة ربان السفينة جرى بيني وبين بعض أكابر الباخرة حديث كان في ضمنه دعابة ، وذلك لما رأى عندي ساعة ذهبية بها وجهان للوقت العربي والفرنساوي ، فقال لي إذا كنت رجلا مليحا فإنك تسلم لي هاته النقالة . وكان بعض الأوداء أرسل لي بها تذكارا . واشتراها لي من مملكة بعيدة . والتونسي يتحتم عليه أن يكون بساعته حس بأن لخط زوال بلده وخط أواسط أروبا المعمول به رسميا ، كما يلزمه لغتان وعادتان ، مثلما له في الكتابة تاريخان ، وفي المعاملة مسكوكان : وللناس عادات وقد ألفوا بها * لها سنن يرعونها وفروض فمن لم يعاشرهم على العرف بينهم * فذاك ثقيل عندهم وبغيض فأجبته بأنه إذا أراد ما يتذكرني به فنوجه له ذلك من المملكة التونسية مثلما سلم أهالي القيروان زربية إلى قبطان سفينة قرطاج . أما المنقالة فإنها غير مصنوعة بالقيروان . فقال لكن كلما نظرت إليها أتذكركم . وكاد أن يحجني بهاته المداعبة فقلبت عليه الدعوى وقلت له : من المعلوم أن المفكرة إنما يسلمها الراغب في المودة ويظهر أنكم كذلك . وعليه فلا مانع من أن تسلموا لي ما أتذكركم به . وإن كنت لا أنسى هذا اليوم ولا أرغب فيما يفكرني فيه . كما أنه من العادة أن تكون المفكرة حسب اختيار المهدي لا باقتراح المهدي له لشيء مخصوص . فسلم ذلك ومرت الممازحة معه لطيفة قضينا بها حصة من الزمن ونحن إذ ذاك بالقرب من مرسيليا في حاجة إلى السمر . وكانت الأمواج لطيفة تعبث بالسفينة وهي تتهادى وتتمايل كالمتغلب في حرب ، والفايز في عراك يتماشى الخيلاء ، ويتيه على الأعداء ونحن فيها كدوح تحركه الأم الشفوقة بمرضعها لتسكن ما عنده وتسليه عن مطالبه . وكأن السفينة علمت بأننا أحوج لذلك كله من الرضع فراحت تجاملنا وتسلينا ونحن نشكر هاته الأم التي حملتنا في بطنها ثلاثين ساعة وزادت على ذلك ست ساعات ونصفا