محمد بن مصطفى ابن الراعي
4
البرق المتألق في محاسن جلق
رياض الإيمان بين جدول من الخلوص ونهر ، فتفتحت لهم كمائم الحصون عن زهرات التأييد والظفر ، وأخلصوا للّه تعالى فخاضوا لجج الجهاد ، وغاصوا بحور التوكّل في أكمل همّة واستعداد ، حتى قطفوا ثمار رؤوس الأعداء من رياض الفتوحات الجنيّة ، وأينعت بهواطل النصر لهم حدائق الملّة المحمّدية ، لا برحت شآبيب الرضوان تهطل على غياض مضاجعهم الشريفة ، وسحائب الرحمة مخيّمة على ترب مراقدهم الوريفة ، ما سقى جدول المجرّة رياض الشام ، وازدهر نرجس النجم تحت بنفسج الظلام . وبعد ، فلما انفصمت عنّي عرى الطفولية ، وانشقّت في غصن شبابي برعمة الرجولية ، ولعت بالتنزّه في حدائق الأدب وأزهاره ، والنّهل من سائغ مناهله وأنهاره ، سيّما كتب التاريخ والأخبار ، وما يتعلّق بالمدن والأمصار ، التي أحلاها في الأفواه ذكرا ، وأعلاها في الأسماع قدرا ، أخبار الثغر البسّام ، والمصر المحفوف بطرائف الإنعام ، جلّق الفيحاء ذات الظلال ، الموسومة بأنواع المحاسن والجمال ، التي ميّزها اللّه تعالى على جميع البلاد ، وشرّفها بقوله سبحانه : إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ [ الفجر : 7 ] وقد اعتنت الجهابذة بتخليد أخبارها ، وابتنت الأساتذة بيوت افتخارها ، وتناقلت أنباءها ألسن الراوين ، ومع ذلك فهم في التعبير عنها غير متساوين ، منهم من قصّر ، ومنهم من طوّل ، ومنهم من جرّح ، ومنهم من عدّل ، يأتون من مقولهم ، على قدر عقولهم . [ الطويل ] على قدرك الصهباء توليك نشوة * بها سئ أعداء وسرّ صحاب فلو أنّها تعطيك منها بقدرها * لضاقت بك الأكوان وهي رحاب فحرّكتني نسائم الحميّة ، وهزّتني الشنشنة العصبية ، أن أكشف نقاب محيّاها ، وأدير على الأسماع كؤوس حميّاها ، وأن أنظم في حدائق الأدب عقدا من زهرها المنثور ، وأورد