الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
12
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير ( الكتاب العاشر )
تعقد لساني . وجازى اللّه التتار والصليبيين والأسبانيين بما صنعوا بتركة سلفنا يوم جرى ماء دجلة أسود من مداد المخطوطات التي ألقيت فيه ، وعندما كانت علوم العرب والمسلمين تعتبر ( تجديفا ) لا يدخل ملكوت السماوات من يقدر على إبادتها ويقصر فيه . وكيف يستطيع مشتغل بتاريخ الإسلام أن يتناسى حريق مكتبة الأمراء آل عمار في طرابلس الشام سنة 503 وألوف من خزائن الكتب النفيسة العامة والخاصة التي أوقعها سوء الحظ في طريق جيوش الاكتساح ! لولا هذه الكوارث ، وما تلاها من عصور الجهالة ، لبقيت لنا مؤلفات الخليفة الأموي الوليد بن يزيد بن عبد الملك في أخبار العرب وأنسابها وأشعارها ولغاتها ، وهي مؤلفات كان يتحدّث عنها العلماء ، وقرأ عنها ابن النديم بخط ابن مقلة عن أبي العباس ثعلب وشيوخه . ومن علماء عصر الوليد بن يزيد بن عبد الملك وأهل ثقته أبو القاسم حماد بن سابور بن المبارك بن عبيد ، وأبو محمد جنادر بن واصل الكوفي . وبعد هذه الطبقة الهيثم بن عديّ الطائي ، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي ومصعب بن عبد اللّه الزبيري ، والزبير بن بكار وأضرابهم وألوف ممن جاءوا بعدهم . كل عمل هؤلاء العظماء يعدّ الآن في حكم المفقود ، لأنه أبيد بحماسة وغلّ وعداء لهذا التراث ، وكان يظن الذين فعلوه أنهم بلغوا مأربهم ، واللّه متمّ نوره ، وهو أعلم بالوقت الذي يتمه فيه ، وبالجيل الذي يكون البعث على يديه . أما الآن فتكفينا هذه الفرحات التي يمنّ اللّه بها - بين حين وآخر - كلما بعث لنا شيئا يسيرا مما آمنّا بزواله وانعدامه لنستدلّ منه على أن البعث حق . وهذا الكتاب العاشر من « الإكليل » يعود الآن إلى أمة الضاد من عالم الدثور إلى عالم النشور بعد أن كان ميؤوسا منه لفساد النسخ النادرة الباقية منه في اليمن . وكان صديقي النبيل القاضي محمد بن عبد اللّه العمري قد اقترح عليّ في العام الماضي دراسته وتحقيقه وإخراجه للناس ، وجاءني من اليمن بنسخة وأخرى ثم بثالثة ، وأخجلني بزياراته الكريمة هو وسليل بيت النبوّة الصديق الحبيب السيد علي المؤيّد ، لكن النسخ اليمنية الثلاث كانت من التحريف بحيث لو كان ناسخوها