الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

10

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير ( الكتاب العاشر )

بلسان الحكمة والفطرة . فواصلت البحث في الدشت المركوم أمامي ، إلى أن وقعت في يدي الورقة الأخيرة من هذه الأوراق ، فإذا هي من كتاب ( الفصول والغايات في تمجيد اللّه والمواعظ ) لحكيم المعرّة وشاعر حكماء العرب أبي العلاء أحمد بن عبد اللّه ابن سليمان التنوخي . وخيّل إليّ - لقدمها وصحة ضبطها - أنها النسخة المعاصرة لمفخرة تنوخ والتي أملاها على مدوّن أدبه وعلمه . فكدت أجنّ بفرحتي ، للذي كان شيخي الشيخ طاهر الجزائري قد ملأ به قلبي من تقدير لتركة السلف ، ولعلمي أن ( الفصول والغايات ) مفقود من الدنيا من قبل زمن ياقوت الحمويّ حتى ظنّ الناس بالكتاب الشرّ ، وانغمس بهذا الإثم كتاب كشف الظنون ، فنحل الكتاب زيادة في اسمه لم تكن منه . ومع أن ياقوت كان جوّاب آفاق ، وعاشق آداب ، ومنقبّا عن أسفار ، فقد تكلم عن الفصول والغايات بكلام الحاكي رواية غيره الناقل عنه بالواسطة . فأن أكتشف أنا بعده بسبعمائة سنة ما كان في حكم المفقود طيلة هذه العصور يحقّ لي أن أفرح به فرحة الجنون . وخفت أن يستخفّني بائع الكتب فاشتريت منه الدشت كله بكل ما طلب ، وألقيته على ظهر حمّال ذهب به معي إلى دار جريدة القبلة - وهي دار مطبعة حكومة الحجاز - وهناك ألفت من أوراق الفصول والغايات مجلدا يبلغ في تقديري خمس الكتاب ، ولو أن الذي وجدته منه كان كراسة واحدة أو ورقة واحدة أو فقرة واحدة لكنت عند نفسي من الناجحين الموفقين . ومع ذلك فقد وجدت في الدشت مسوّدة الجلال السيوطي بخطه لكتاب ( حسن المحاضرة ) فرأيت من الوفاء لوطني الثاني أن أعيدها إليه وأن أضمن بقاءها فيه ، فأهديتها إلى خزانة حبيبي فقيد العربية والإسلام أحمد تيمور باشا ، وأدخلت بها على قلبه مثل السرور الذي ملأ جوانحي . وهي الآن في تلك الخزانة مع أصل الفصول والغايات داخل بناء دار الكتب المصرية العامرة إن شاء اللّه إلى ما شاء اللّه . تلك هي فرحتي الأولى في سبيل تراث العروبة والإسلام التي لم أشعر إلى ذلك الحين بفرحة من نوعها تعدلها . وكانت الفرحة الثانية بعدها بنحو عشر سنوات ، وذلك أن الأستاذ عبد العزيز