الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

69

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

وما عملهم في علمه غير مجّة * ترشّفها الظمآن من زاخر غمر ويسمى الهميسع ومالك شعبي حمير ، لأن كلّ واحد من القبيلين شعب « 1 » وجماعة شعوب وكذلك يقال لحمير وكهلان شعبا سبأ ، ولمضر وربيعة شعبا نزاء . وقال بعضهم : العرب على سبع طبقات : شعب وقبيلة وعمارة « 2 » وبطن وفخذ وحبل

--> - وأما عبيد بن شرية : فهو عبيد بن شرية الجرهمي ، وهو أول عربي إسلامي وضع الحجر الأساس لفن التاريخ في الإسلام وألف فيه . وكان قدوة للمؤلفين الذين قفوا أثره بالتأليف والتصنيف ومصدر ثروة للإخباريين ومعينا عذبا لوراد هذا الفن ، ومؤلفاته تدل على تضلعه وشدة عارضته وحفظه وذكائه . أدرك الإسلام فأسلم ولم يسمع من النبي صلّى اللّه عليه وسلم شيئا وكان معاوية مقيما بوطنه صنعاء أو رحبتها أو أنه نزل رحبة الشام فاستدعاه معاوية إلى الشام . فلما مثل بين يديه ، سأله عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبلبل الألسنة وأمر افتراق الناس في البلاد ، فأجابه بأسلوب رفيع وبيان بليغ ، فأغلب به وأدنى منزلته فكان منه أنيسا وسميرا . وأمره أن يؤلف فألف كتاب « الملوك وأخبار الماضيين » و « هذا طبع بحيدر أباد » وفي حوزتي منه نسخة وللّه الحمد ، وكتاب الأمثال خمسين ورقة ، وهذا مفقود وغير ذلك . دخل مرة على معاوية فقال : حدثني بأعجب ما رأيت فقال : مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم . فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيني بالدموع فتمثلت بقول الشاعر : يا قلب إنك من أسماء مغرور * فاذكر وهل ينفعك اليوم تذكير قد بحت بالحب ما تخفيه من أحد * حتى جرت لك اطلاقا محاضير فلست تدري وما تدري أعاجلها * أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير فاستقدر اللّه خيرا وأرضين به * فبينما العسر إذا دارت مقادير وبينما المرء في الأحياء مغتبط * إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير يبكي الغريب عليه ليس يعرفه * وذو قرابته في الحي مسرور قال : فقال لي رجل : أتعرف من يقول هذا الشعر ؟ فقلت : لا . قال : إن قائله هو الذي دفناه الساعة ، وأنت الغريب الذي يبكي عليه . وهذا الذي خرج من قبره أمسّ الناس رحما به وأسرهم بموت . فقال له معاوية : لقد رأيت عجبا فمن الميت ؟ . قال : هو عثير بن لبيد العذري . وعاش عبيد بن شرية ثلاثمائة سنة فيما قيل . ولم أقف على تاريخ وفاته . وعبيد بفتح العين المهملة ، وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة ، وشرية : بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة . وعثير بكسر العين المهملة وسكون الثاء المثلثة وفتح الياء المثناة وبعد راء وهو في الأصل للغبار وبه سمي الرجل « الفهرست ص 138 ، والوفيات ج 4 ص 48 » . ( 1 ) الشعب : بفتح الشين المعجمة : الحي من الناس ، وبكسره الفرجة بين الجبلين . ( 2 ) العمارة : بالفتح والكسر وجمعها عمائر .