الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

53

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

وقد أشار ابن القفطي في انباه الرواة من ترجمة الهمداني ، إلى بعض هذه الأسباب وما اهتمام قاسم بن محمد الملقب بالمنصور باللّه بحيازة هذين الجزأين المذكورين وامتلاكهما إلا من هذا القبيل ، فالرجل لا يعنيه من وجودهما لديه أكثر ما يعنيه من إخفائهما عن أبصار الناس وتداولهما ، وإلا فمبدؤه معروف ومشربه وما ينزع إليه مشهور . وقد توجد أسباب غير هذه . ومنها جناية الدهر بالمحن والكوارث فقد كانت الفتن تقضي على كل شيء . وفاته « 1 » إن وفاة الهمداني وتحديده باليوم والشهر والسنة كتحديد مولده غامضة ومجهولة . أما في أي محل كان دفنه ، فأنا أرجح أنه قبر وضمنت أوصاله في « ريدة » وكان آخر عهده بالدنيا بها لما أسلفناه . وأما أنه توفي سنة 334 ه فهذا لا يصح لوجهين وجيهين أحدهما : أنه يذكر في الجزء العاشر في الكلام على سيد همدان ابن الضحاك ما نصه : « ثم صافاه ابنا يحيى : محمد المرتضى وأحمد الناصر . إلى أن قال : ثم باعده القاسم بن الناصر فجرى بينهما ما ينطق به شعر الهمداني » . والقاسم بن الناصر هو المعروف في التاريخ بالمختار ، وكان قيامه بدعوة الإمامة في صعدة ، وكان يريد أن يدخل صنعاء للارتباك الذي كان فيها . فلما وصل إلى « ريدة » عاصمة ابن الضحاك ولم يستمع لآرائه ومشورته ، بل خالفه وركب رأسه ، فقتله ابن الضحاك سيد همدان سنة 345 ه وما يدرينا أنه ذفف عليه الهمداني بشعره المهيج كما نص عليه كلامه آنفا ، وهذا برهان واضح لا يقبل المراء . الوجه الثاني أو الدليل الثاني : إن الهمداني نفسه يحدثنا في الجزء الثاني عند ذكر نسب شيخه محمد بن عبد اللّه الأوساني ، في نسب أولاد حضرموت بن سبأ الأصغر ، ما لفظه : « قال أبو محمد عبد اللّه بن سليمان الحكمي : رويت عن محمد هذا سنة ست وخمسين وثلاثمائة وهو من عمره في ثمانين . وكتبت عنه ، وقتل في سنة ستين وثلاثمائة رحمه اللّه » فهذا يدل على أن الهمداني عاش في هذه الحقية ، فأين سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ، من سنة ست وخمسين أو ستين وثلاثمائة ؟ ولعل الأيام تأتينا بالعجب العجاب وما ذاك على اللّه بعزيز . هذه ترجمة الهمداني باختصار عن دراسة كتبه التي عثرنا عليها ، ومن وراء كل ذي علم عليم .

--> ( 1 ) راجع كتابنا « لسان اليمن » من أعلام العرب .