الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

45

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

طردوا من صعدة وأخرجوا منها صاغرين وغير ذلك من المعارك الحربية والكلاميّة ، ولم يمت إلّا منتصرا قرير العين . أما ملك حمير أبو حسان ، فقد وصمه بعار الدهر ، ووسمه بميسم الخزي والشنار إذ أنشأ قصيدة رنانة أسماها ( قصيدة الجار ) لأن أسعد بن أبي يعفر خفر ذمته وخان وفاءه وتنكر للمبادىء الإنسانية التي هي من حق العروبة أشرف الخلال ، وهو الوفاء وحفظ الذمام . فقد كان الهمداني جار أسعد بصنعاء وفي حماه فانتهك هذا الجوار وحبسه بمجرد شكوى الناصر أحمد ، ونبذ كل القيم الأخلاقية إرضاء لشخص واحد ، وقد أتيحت لي الفرصة بأن اطلعت على بيتين منها في مطالع البدور لابن أبي الرجال ، فما زلت أبحث عنها حتى وقفت عليها كاملة لدن الأخ العلامة الحسين بن أحمد السياغي حفظه اللّه وعمر به ربوع العلم والعرفان ، فطلبت نقلها ، فأسعفني بها ولم يبخل ، إلا أنه يشكو من ضعف خط الأصل وكثرة الأغلاط فيه ، وإهمال الأعجام مما يصعب قراءتها وأنه وجدها في نسخة قديمة ، فتقبلتها على علاتها شاكرا . وقد صححتها بقدر الاستطاعة ، وحليت بها جيد هذا التأليف لندرة وجودها ، ولأنها تعطينا صورة صادقة عن حبسه وما عانى فيه وتلقي علينا بصيصا ضئيلا عن أسباب محنته . وإليكها أيها القارئ مع تفسير ما أشكل من كلماتها . ثم وفقنا في الأخير في العثور على نسخة منها قديمة غير معروفة التاريخ لدن صديقنا السيد علي بن حمود الذنب الهمداني فصصحنا ما أمكن فجاءت كما يرام وأشرنا إليها : قصيدة الجار خليليّ إني مخبر فتخبّرا * بذلة كهلان وحيرة حميرا عذيري من قحطان إني مشتك * عواريكما ظلما وخذلا فأنكرا فسبحان من قوم وترت عدوهم * سماع الإلهي والجبل المجمهرا « 1 » فأصبح موطوسا مشيد فخارهم * ولكنهم مما تحيّف أزورا « 2 » وأصبحت مأسورا بأيدي معاشر * رضا لهم بأقبح ذا متذكرا أظلّ أقاسي كل أحمر ضيطر * زبانية حولي وكيلا مسمرا « 3 » ويبري خفوق النجم مني همائمي * إذا ما الكرى في العين زنّق أسهرا « 4 »

--> ( 1 ) كذا في الأصل . ( 2 ) الموطوس : الموطوء أي الذي دعس بالخف دعسا شديدا ، والمشيد العالي ، وتحيف مال ، والأزور : جمع الزور وهو الباطل والمائل . ( 3 ) الضيطر : العظيم أو الضخم اللئيم ، والزبانية : جمع لمتمردي الجن والإنس ، وأيضا : الشرطة . ( 4 ) رنق الماء : كدر وتغير .