الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

317

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

فباعها بمال جزيل ، واشترى به من طرائف اليمن ما كافأ به العامل ، فبلغ ذلك معن ، فأقسم على عبّاد ليسترجعنّ ضيعته ، ودفع المال من عنده ، ولم يزل كل واحد من عبّاد ومعن ودّا لصاحبه بعدها . وقد كان عباد بن محمد رفع إلى العراق ثم اصطنع . وهذه الكفالة تشاكل كفالة شريك بن عمرو للملك اللخمي ، بعمرو بن الأخنس الطائي « 1 » . وقد ذكرناها في أخبار الأوفياء « 2 » .

--> ( 1 ) خلاصة القصة ، أنه كان للملك اللخمي المدعو المنذر بن امرئ القيس ابن ماء السماء نديمان من بني أسد ، يقال لأحدهما : خالد بن نضلة ، والآخر عمرو بن مسعود ، ويسميان الغريين لحبهما ؛ فثملا . فراجعا الملك ليلة في بعض كلامه ، فأمر وهو سكران فحفر لهما حفرتان في ظاهر الكوفة ودفنهما حيين ، فلما أصبح استدعاهما فأخبر بالذي أمضاه فيهما ، فغمه ذلك ؛ وقصد حفرتهما فأمر ببناء صومعتين عليهما ، وأمر أن لا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما ، وجعل لهما في السنة يوم بؤس ، ويوم نعيم . يذبح في يوم بؤسه كل من يلقاه ويغرى بدمه الصومعتين ؛ فإن رفعت له الوحش طلبتها الخيل ، وإن رفع طائر أرسل عليه الجوارح حتى يذبح ما يعن ويطليان بدمه . ويوم النعيم : يحسن فيه إلى كل من يلقى من الناس ويحملهم ويخلع عليهم ، ولبث بذلك برهة من الزمن ، وجرت له قضايا كثيرة ، حتى مرّ به في بعض أيام البؤس عمرو بن الأخنس الطائي الذي ذكره المؤلف - وفي معجم البلدان رجل من طيئ يقال له حنظلة - فقرب ليقتل ، فقال : أبيت اللعن إني أتيتك زائرا ، ولأهلي من بحرك مائرا ، فلا تجعل ميرتهم ما تورده عليهم من قتلى . قال المنذر : لا بد من قتلك ، فسل حاجتك تقض لك قبل موتك ، فقال : تؤجلني سنة أرجع فيها إلى أهلي فاحكم فيها بما أريد ، ثم أسير إليك فنفذ فيّ أمرك ، فقال المنذر : ومن يكفل أنك تعود ؟ فنظر الطائي إلى وجوه جلسائه فعرف شريك بن عمرو بن شراحيل الشيباني ، فقال شعرا : يا شريك يا ابن عمرو * هل من الموت محاله يا شريك يا ابن عمرو * يا أخا من لا أخا له يا أخا المنذر فك ال * يوم رهنا قد أنى له يا أخا كل مضاف * وأخا من لا أخا له رقباك اليوم في المجد * وفي حسن المقالة فوثب شريك وقال : يدي بيده . ودمي بدمه إن لم يعد إلى أجله ، فأطلقه المنذر ؛ فلما كان من العام القابل ، قعد المنذر في مجلسه في يوم بؤسه ينتظر عمرو بن الأخنس فأبطأ عليهم ، فقدم شريك ليقتل ، فلم يشعر إلا وراكب قد طلع ؛ فإذا هو بعمرو بن الأخنس وقد تحنط وتكفن ومعه نادبته ؛ فلما رأى المنذر ذلك عجب من وفائه ، وقال : ما حملك على قتل نفسك ؟ فقال : أيها الملك إن لي دينا يمنعني من الغدر ، قال : وما دينك ؟ قال : النصرانية ؛ فاستحسن ذلك منه وأطلقهما معا ، وأبطل تلك السنة ، وكانت سبب تنصره وتنصر أهله فيما يزعمون « معجم البلدان ج 4 ص 198 » . ( 2 ) لعل للمؤلف كتابا في أخبار الأوفياء .