الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

232

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

. . .

--> - الأحكام الشرعية ، فاستقل بمذهب خالف فيه زيد بن علي وغيره وله آراء غريبة تفرد بها كغيره من العلماء وتواليفه مشهورة ، منها المنتخب والفنون وله عدة رسائل في شتى الفنون والأغراض . ولد كما تقول المصادر سنة 245 ه بجبل الرس من جبال المدينة قرب ذي الحليفة حيث كان أبوه وجده وأهله وذووه يعيشون هنالك بعيدين عن التيارات السياسية ، وكان جده القاسم بن إبراهيم قد خرج إلى اليمن متنكرا ومكث أياما تحصل فيه على كمية من المال اكتسب بها أرضا بالرس وانتقل إليها بعد ما خف الطلب عليه من العباسيين وعاش مع أهله على حساب تلك الغلال حتى توفاه اللّه سعيدا بتلك العيشة الهادئة الراضية ، فنشأ الهادي نشأة تقوى وصلاح وعفاف ودين وارتشف من معين أهله بالمدينة حتى ارتوى ثم انتقل إلى العراق فتتلمذ على أبي القاسم البلخي وغيره ثم عاد إلى الرس ، ولما بلغه ظهور الإمام محمد بن زيد والناصر الأطروش بآمل من طبرستان وقهرهما لجيوش العباسية أحب أن يشترك في هذه المعارك فارتحل هو وأبوه وعمومته وبعض مواليهم ، فلما وصلوا آمل نزلوا خانا فامتلأ الخان حتى كاد سطح الخان يسقط وعلا صيته ، فكتب إليه الحسن بن هشام وكان على وزارة محمد بن زيد بأن ما يجري يوحش ابن عمك فأجابه بقوله : ما جئنا ننازعكم أمركم ولكن ذكر لنا أن في البلد سعة وأهلا ، فقلنا عسى أن نفيدكم منا ، وخرجوا مسرعين وثيابهم عند القصار وخفافهم عند الإسكاف وحملنا إليهم من منازلنا اللحمان ودججا وشيئا مما يصطنع به من الحصرم وغيره فتناولوه ، إلا اللحمان فإنها ردت إلينا كهيأتها فسألنا الموالي سبب ردها فقالوا : إنه يقول : إنه بلغني أن الغالب على هذا البلد التشبيه والجبر ، فلم آمن أن يكون من ذبائحهم فقد سمعت أن أهلنا بهذا البلد لا يتوقون ذبائحهم ، ثم عاد أدراجه ومكث برهة . وفي سنة 280 ثمانين ومائتين قام برحلة استطلاع إلى اليمن فدخل صعدة وتعرف إلى بعض أهلها ثم تقدم نحو بلد همدان مجتازا على الجوف إلى بلدانهم حيث حط رجاله في قرية « الشرفة » ليطل على عاصمة التبابعة صنعاء عن كثب وكاتب إلى بعض من يستروح إليهم فلم يلق ردا شافيا ، فانثنى راجعا عن طريقه الأولى عائدا إلى المدينة المنورة . فلما قتل الأمير أبو يعفر إبراهيم بن محمد بن يعفر الحوالي أمير اليمن وانتقض الحبل على الدولة الحوالية وقامت الحرب الضروس بين قبائل خولان لا سيما بين قبيلتي سعد والربيعة ولم تستطع الدولة كبح جماح المتحاربين لانتشار الفوضى ، قام وفد من الحوالية إلى آل أبي فطيمة الآتي ذكرهم عضاضة وحنقا لبني عمومتهم حاملين رسائل من زعمائهم ليستدعوا الإمام الهادي ويتزعمون له النصرة وضمنوا له النجاح ، وكان ذلك في موسم الحج سنة 283 فلما قضوا حجهم عرجوا على المدينة المنورة حيث كان الهادي يقيم في جبالها مع أهله وعمومته فعرضوا عليه ما جاؤوا به ، فأجاب رغبتهم وخرج مشيعا له أهله وأقاربه فرحين مستبشرين ، وكان فيمن ودعه عمه محمد بن القاسم ومما قاله في خاتمة الوداع « لو حملتني رجلاي لكنت معك يا أبا الحسن أتراني أعيش إلى وقت توجه إلي مما غنمته ولو بمقدار عشرة دراهم أتبارك بها » وقد ظل أهله وأقاربه يتقاضونه المعونة ومديد المساعدة ويبعثون إليه الرسائل مستجدين كرمه وإحسانه بين حين وآخره فتارة يجود عليهم وتارة يعتذر لهم ، وقد قال في ذلك أشعارا مدونة في سيرته ومن قصيدة له : يظنون أن المال عندي مرامكم * وأني به عنكم ضنين ممانع -