الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
20
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
بإخوان هم من صميم المحنة وفريسة الكارثة ، ووجوه لم نرها من ذي قبل ، وعيونهم ناضرة إلى ربها ناظرة ، ووجوه باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ، ولعمري أن ذلك المنظر لفاقرة في ذات نفسه . طفقت الحياة تمدنا من طبائعها وتعيد علينا نشاطنا الفكري والجسماني ، وشعرنا بالقوى التي تأكلت بالعفونات من وباء « نافع » تنمو وتزداد يوما بعد يوم ، والحيوية تتمشى في عروقنا تمشي البرء بالسقم والسكينة تأخذ من قلوبنا مأخذها الطبيعي ، والدم الحي يجري في شرايين الحياة بدل استنزافها دما ودموعا وسمح لنا بحرية الكتابة ومناغاة الكتاب ومصاحبة الحبر والقلم والإذن بدخول الكتب التي لا خطر فيها للمطالعة بعد أن تفتش ويجري عليها بالموافقة قلم المراقبة ، الأمر الذي خفف عنا - أكثر بكثير - ويلات السجن وكآبة الغربة ووحشة النفي الذي هو أخو القتل . وكان من بين الكتاب التي طالعتنا وباديء ذي بدء : كتاب بخط السيد العلامة الحسين بن أحمد الحوثي أحد السجناء ، والكتاب عبارة عن مجموعة تشتمل على نقولات من هنا وهناك ، وعلى كتاب « طرفة الأصحاب في معرفة الأنساب » للملك العادل الأشرف عمر ابن الملك المظفر يوسف ابن الملك المنصور عمر بن علي ابن رسول الغساني رحمهم اللّه ، محذوفة منه الخطبة أو بعبارة أدق غير موجودة خطبة الكتاب مع تصرف يسير في أثنائه وعلى « مشجر علامة » . وعلى الجزء الثاني من « الإكليل » . هنا وعند هذه الكلمة أو العبارة التي كانت قد أخفقت زمنا طويلا وغاصت في أعماق أعماق الحافظة ، استدارت الذاكرة ، وكأنما ضغط على زر كهربائي أضاءت له رحاب العقل ، وانبعثت له من جديد نجدة ونشاطا وحرارة ملتهبة وجذوة مستمرة . وعلى الرغم من ضآلة الخط وسقمه ، وما فيه من بياض وفجوات فارغة ، فقد تعلقت بمطالعته وأمعنت النظر فيه ، ولما ألفيت عنوان الجزء العاشر من « الإكليل » للهمداني ، فتحت أول صحيفة منه فإذا هو ما نصه : قال أبو محمد الحسن بن أحمد الهمداني : أولد كهلان بن سبأ زيدا . . . الخ . فشمرّت لنقله على علّاته وأكملته في بضعة أيام ، ثم عاودت تصحيحه ومقابلته ، وكل مرّة يتجلى لي منه كلمة أو كلمات أملأ منها تلك الفجوات ، وأسد ذلك الفراغ وأرأب منه الصدع وهلم جرّا ، حتى إذا ما بقي بياض وبياض وكلمات مبهمة استعصى عليّ حلها ، أو مطلسمة لم أستطع حل رموزها ، إذ بلغني أن لدى الشيخ الفاضل العلامة حزام بن أبكر العليبي الأرحبي الهمداني ، أحد مشايخ العلم بحجة ، وقصباتها المرجوع إليه في الحلال والحرام وفضّ الخصام ، نسخة كتبت حول القرن العاشر الهجري ، وهي محتوية على الجزء العاشر من « الإكليل » و « طرفة الأصحاب » المذكورة آنفا ، ونقولات من كتاب « الفاصل بين الحق والباطل » ومن « صفة جزيرة