الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

18

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

علما وأدبا وسعة حفظ واطلاع ، فقلما تبدر منه حكاية أو نادرة ، أو يشاهد فاكهة أو يذكر بلدة أو نحو ذلك ، إلا ويصحبها مقطوعا من الشعر ، مع مرح ودعابة وأخلاق أرق من النسيم وأعذب من الماء النمير ، وتواضع جم ، يتمثل فيه على الجملة أخلاق النبوة ، وأنهما لجديران بقول ابن دريد في مقصورته في ابني ميكائيل : هما الأميران اللذان أوفدا * عليّ ظلّا من نعيم قد ضفا وقلّداني منّة لو قرنت * بشكر أهل الأرض عني ما وفا بالعشر من معاشرها وكان كل * لحسوة في آذي بحر قد طمى لا زال شكري لهما مواصلا * لفظي أو يعتاقني صرف المنى ومن شكري للأميرين الكريمين - وهو بعض ما يجب عليّ نحوهما - هو تسجيل حياتهما في كتّيب يطبع وينشر تخليدا لذكرهما ، وها أنا في طريقي إلى ذلك . فلازمتهما ملازمة الظل للغمامة ، والظليم للنعامة . وتفتحت لي آفاق من المعرفة والأدب ما كنت أحلم بها ، وكانت هذه الحياة الجديدة نقطة تحوّل في اتجاهاتي نحو العلم والمعرفة . كما غمرتني هذه الحياة بآمالها وآلامها ، وسكرة الشباب ثنتني عن الاشتغال لمواصلة البحث عن التاريخ والأنساب ، وتكاليف المعيشة صرفتني بالكليّة عما كان يعتلج في أفكاري من تحقيق أمنيتي ، بل لقد صار ذلك نسيا منسيا . إذ قد صرت أشبه برب أسرة تتمثل في والدي العطوف الذي إن قلت إنه خير أب وأن ليس له نظير في الآباء لم أبالغ ، قد أقعدته الشيخوخة وصار حليف مصحف وكتب ورب صلاة ومحراب ، وبين أخ صبي حدث لم يبلغ الحلم ، لا يعينه من الأمر إلا ما كان يعنيني ، وفتاة لم تترعرع ، وامرأة أبي وليست من القوامين من الرجال بل من القواعد من النساء . وهم يكونون بيتا بمدينة « ذمار » وأنا وأهلي نكون بيتا منفردا في مدينة « إب » . وفي بعض زياراتي لوالدي بذمار ، دعاني الأخ المضياف المرحوم القاضي الأوحد أحمد بن إسماعيل الصديق إلى منزله العامر لتناول الغداء ، وبينما نحن منتظرون مجيء الغداء ، رأيت رصيفا من الكتب في الطاق ، فقمت إليها أفتش لعلي أجد كتابا أستحسنه للمطالعة ريثما يجهز الغداء . فما وقعت يدي إلا على الجزء الثامن من « الإكليل » وكأنما وضعت يدي على كنز ثمين . وسرعان ما مرّ شريط الذكريات على مخيلتي كلمح البصر ، إذ لا يزال صدى « الإكليل » ونغمة جرسه المرقصة تدوي في لوح فاكرتي . ثم طفقت أطالعه بلهف وشوق ، وأصافح صفحاته كحبيب لاقى حبيبا بعد غيبة وهجران ، حتى إذا ما جاء الغداء وضعته بجانبي مشدوه الفكر هنا وهناك . ثم حاولت من الأخ المفضال استعارة الكتب لنقله ، ولكن لشدّ ما صدمت باعتذاره أنه عارية من شخصية كبيرة محترمة . وأن الفقه أو الدين لا يجيز مثل هذا ، فلم ألح على الأخ الكريم لكوني نزيله وضيفه ، وأغضيت على أشد من وخز شوك الغضا . ثم ودعته وانصرفت وفي نفسي من حرماني وعدم السماح لإعارة الكتاب حزازة أذكرها بمرارة إلى التاريخ ، سامح اللّه ذلك الأخ الكريم .