الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

16

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

عن ذاكرتي هذه الخيالات المذعورة . وللّه در أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمه اللّه إذ قال « من فكر في مخلوقات اللّه وحّد ، ومن فكر في ذات اللّه ألحد » وأعتقد أن هذه الأفكار تداعب خواطر الأطفال في هذا السن ، كتساور الكثير ممن تعمق في هذا الشأن . فإذا ما انتهى أبي من تمتمته انسلّ من جانبي ليؤدي صلاة العشى وراتبها ووردها ، أما الوتر فإنه يرجئه إلى زلف من الليل ليحرز ثواب قوله تعالى : تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً « 1 » وأنا في بقعتي لا أتملل أنتظر ما يقدم إليه من العشاء وقهوة القشر فأتناول شيئا منه ثم يلتفت إليّ والدي محملقا بوجهه الضاحك الباسم الذي يشع بكل معاني الأبوّة الصادقة ويوجه إليّ سؤالات : كيف قضيت يومي ؟ ومع من لعبت ؟ إلى غير ذلك . فأجيبه ببساطة وسذاجة وكله سمع وكله بصر وكله حنان وابتهاج ويقابل كلماتي بالقهقهة تارة وبالضم واللثم والدغدغة أخرى . معجبا فخورا . كما أني أخفي عليه آلامي وأوجاعي واندحاري أمام القوي من أقراني ، وكم أشعر بالارتياح والطمأنينة حينما أسمع منه كلمات التشجيع بالمضي قدما . ثم يفيض في الحديث من هنا وهناك حكايات وقصص مضحكة ، وفكاهات مريحة . وحينا يتساوق معه الكلام إلى التاريخ ، وكان ملهما بحفظه عن ظهر قلب ، لا سيما السيرة النبوية ، فقد كان يحدثني عن نبي الرحمة صلّى اللّه عليه وسلم ، وعن أخلاقه وقيمه الإنسانية وعن غزواته وغير ذلك من شمائله الفذّة - بحرارة وإيمان وحب منقطع النظير - وقد تذرف عينه بالدمع تأثرا لمواقف الرسول صلّى اللّه عليه وسلم من أمته وتعاليمه القيمة . وكذلك كان يملي عليّ صورا من تاريخ دول اليمن على اختلاف نزعاتها والقائمين من حكامها . أما الدولة القاسميّة ، فقد كان ابن أبجديتها إذ كان يسردها إماما إماما على التوالي ، مع مدة حكمه ومقر عزه ومن أعقب وأنجب ، ويسلسل أنسابهم إلى أيامه ولا يغيب عنه شاردة ، ولا واردة . ذلك لقرب العهد بها وبأيامها ، كما أنه كان في الأنساب آية من الآيات . فقد كان يرد كل فرع إلى أصله وكل عرق إلى جذوره ، خصوصا أنساب عصره ، فقد كان عليه المعول والمرجع فيما أشكل وأعضل . وهكذا دواليك يمر بأحداث اليمن وتواريخها وأنسابها ، ويقف وقفة في بعض الليالي يتحدث عن ملوك حمير ومآثرها وفخامة مبانيها وعظمة مجدها واتساع رقعة مملكتها . ويأتي بنتف من أخبارها السحريّة وحكاياتها الأسطورية وتبدو كأنها أغرب من الخيال ويجري على لسانه عفوا - ذكر كتاب « الإكليل » فقد كان يشيد به ويستغرق الثناء عليه . فأسأله وأين هذا الإكليل ؟ وعلام يحتوي ومن يملكه ؟ - إذ كانت كلمة الإكليل تستهويني وتملك مشاعري ، وجرسه الرنان يملأ خيالي وكأنه تحفة من التحف ، أو أنه ملك الكتب وتاجها المتلألئ .

--> ( 1 ) سورة السجدة ، الآية : 16 .