الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
13
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم مقدمة إن كتاب الإكليل للهمداني ، أنشودة المفكرين من رجالات العلم وفطاحلة طلاب الحقائق الناصعة قديما وحديثا : وفي أمنيتي وأمنية كل عربي شغوف لمعرفة مجد أسلافه ، وحلم يتراءى في اليقظة كما يتراءى في المنام ، ويتزايد الولوع على الاطلاع عليه كاملا كرّ الغداة ومرّ العشي ، وأغنية على كل شفة يحرك وترها قلب كل غيور على تراث آبائه وأجداده . وكما شغل بال كثير من أرباب الأقلام وعباقرة الكتاب المؤرخين ، شغل أيضا في الآونة الأخيرة بال جبابرة العقل الأورباوي من المستشرقين الذين هم بحق رجال البحث والتمحيص والنقد العلمي النزيه . والذين لا يؤمنون إلا بالمرئيات والمشاهدات . ولا ريب أنهم أحرزوا قصبات السبق في حلبة الطبع والنشر والتصحيح لبعث التراث العربي المجيد وذخائره الثمينة ، التي ظلت دفينة وراقدة حينا من الدهر . وهل طلع علينا أمثال كتاب « صفة جزيرة العرب » للهمداني . و « نزهة المشتاق » للإدريسي وغيرهما مئات من الكنوز الفريدة إلا من سماء هؤلاء القوم ، الذين أنضوا الركائب وزموا الحقائب وركبوا الأخطار وامتطوا ثبج البحار ، يفتشون وينقبون عن مآثر العرب ومفاخرها حتى قتلوها بحثا وفلّوها فحصا وعادوا وهم بجر الحقائب وآبوا بغرر العجائب . وقد جاراهم في هذا المضمار - وكانوا مجلّين في ميادين السباق لبعث التراث العربي ونفض الغبار المتكدس عليه - إخواننا المصريون أبقاهم اللّه قلعة شماء للعروبة والإسلام ، وكذلك في سائر الأقطار العربية . إلا أنهم لم يكلفوا أنفسهم تجشم الأسفار ومشقة الحط والترحال كالمستشرقين الأوروبيين . غير إنه لوحظ في الحقبة القريبة نشاط ملموس من دار الكتب العربية المصرية ورجالها العاملين المخلصين ، بقيامهم باهتمام زائد بنشر الكتب الأثرية النادرة المثال وغيرها من أمهات ذخائر العرب . وبالتالي ثورة عارمة من الطباعة والنشر في مختلف الفنون والعلوم مما جعل نجم مصر يتألق في سماء العروبة متلألئا أضاف إليها لمعة صافية في تاريخ مجدها وأضفى عليها جلالا وحبا وكرامة يهفو إليها قلب كل عربي ومسلم . ولما عثر المستشرقون الأوروبيون على الجزء الثامن من « الإكليل » وكتاب « صفة جزيرة العرب » وقرأوا ما فيهما من وصف شيق دقيق عن مآثر حمير الخالدة ومحافدها الفذة وهياكلها الناطقة بالمجد الباهر والفخر الظاهر ،