محمد راغب الطباخ الحلبي

637

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

صفاته وأخلاقه : كان رحمه اللّه ذا همة عالية ونفس أبية وعزيمة صادقة ، لا يشغله شاغل عن الجد والعمل ، فلا تلقاه إلا في المطالعة لدروسه أو قراءة لها أو إملاء على كاتب . وكان إذا أملى لا يحتاج أن يضرب على شيء مما كتبه إلا نادرا . وكان كثير التعبد والتلاوة للقرآن . وكان حصيفا حازما يقظا وافر العقل مطلعا على مجريات الأحوال خبيرا بأحوال الناس عارفا بمقامهم ، ينزل كل إنسان منزلته . وكان له المقام الأعلى في المجامع ، وهو الصدر في المجالس ، وله الكلمة العليا إذا التفت المحافل ، لا تنعقد هيئة علمية للتداول في أمر هام ويكون فيها فيجسر أحد على الكلام ، بل ينتظرون ما يصدر عن رأيه الصائب وفكره الثاقب ، فيكون قوله فصل الخطاب . وكثر لكثرة فضله حاسدوه ، ولم يخل من انتقاد بعض الناس له ، شأنهم في كل رجل ألبسه اللّه ثوب نعمة وفضل من مال وعلم . على أننا لا ندعي أن شيخنا كان من المعصومين ولا ممن لم تبدر منهم هفوة في مدة حياتهم . وأي رجل يقارع الرجال وينازل الأبطال في معترك هذه الحياة ولا تقع منه زلة ولا يعرف له خطأ ولا تبدو منه هفوة . وأظن أنا لو طلبنا هذا الرجل لتطلبنا المستحيل من الأمور . ولا ريب أنه كان له هفوات بدرت منه فإنها لا تعد شيئا مذكورا بجانب كثرة صوابه وجليل محاسنه . ولا بد للجواد من كبوة وللسيف الصقيل من نبوة ، وحسبنا أن نقول فيه « 1 » : ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها * كفى المرء نبلا أن تعد معايبه وكان عظيم التواضع يأنس بالعوام كثيرا ويحتمل منهم ، وكان سخي اليد له صدقات كثيرة . وكان مربوع القامة إلى الطول أقرب ، جميل الطلعة ، دري اللون ، عظيم المهابة والوقار كما تراه في رسمه الذي أخذ حينما أزمع على السفر إلى الآستانة بالإلحاح الشديد من أبنائه وعائلته من غير رغبة منه ، ولذا تراه فيه عابسا وكانت سنه 75 سنة .

--> ( 1 ) البيت ليزيد بن محمد المهلبي .