محمد راغب الطباخ الحلبي
614
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
عانوه من مشقة الهرب وغيروا ملابسهم ونظموا هيئتهم ثم استأنفوا السفر ، فمنهم من سافر إلى إزمير ومنهم من سافر نحو الشمال إلى ألمانيا وهم متنكرون . أما محمود كامل باشا فإنه اختار السفر إلى ألمانيا ، فوصل إلى برلين واجتمع مع بعض أصحابه وأصدقائه . ولم تطب له هناك الإقامة لأسباب سياسية فبارحها إلى مونيخ ، وهناك حصل بينه وبين بعض الأطباء المصريين معرفة ، وصار هذا الطبيب لا يفارقه ليلا ونهارا وأحبه حبا جما ولقي من حسن صنيعه ما يعجز القلم عن وصفه . ثم سمع به طبيب آخر ألماني الأصل حلبي المولد ، فسعى أياما إلى أن اجتمع به ودعاه إلى منزله وأصر عليه إلى أن أجابه . وكان محمود كامل يخرج في بعض الأيام ويتجول متنكرا في بعض بلدان الألمان ويزور مكاتبها المشهورة ومتاحفها ودور صنائعها ويروح النفس ثم يعود إلى مونيخ . وبينما هو على ذلك إذ اعتراه مرض أدى به إلى الدخول إلى المستشفى في مونيخ ، وبقي مدة تزيد عن شهرين يطببه هناك أشهر الأطباء ويعتنون به تمام الاعتناء ، وكان هذان الطبيبان لا يفارقانه في المستشفى ويعتنيان به ويكرران الوصية لمن كان هناك من الأطباء في أمر تطبيبه . ندع محمود كامل باشا في هذا المستشفى يقاسي أنواع الآلام والسقم ونرجع إلى المشكلة الأناضولية فنقول : إن مصطفى كمال ومن التف حوله من القوى الملّية لما لم ينالوا تمام مطالبهم ، فكانوا يصرون كل الإصرار على تطبيق الميثاق الملّي بحذافيره ، ويكلفون السلطان والوزراء بقبوله بلا قيد ولا شرط ، وينذرون الدول المؤتلفة بالجلاء عن الآستانة وغيرها من الولايات التي احتلوها ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى كانت الحرب قائمة على قدم وساق بينهم وبين الدولة الإفرنسية في كيليكيا ، وكان أشدها في جهات مرعش وعينتاب وكلّس ، وكانت كيليكيا وهذه البلاد تحت الاحتلال الإفرنسي . ولم تكن هذه المحاربات محاربات دولية منظمة ، بل كانت بالنسبة للقوى الملّية محاربة عصابات مع جيوش منظمة وافرة الأعتاد والعدد ، وبقيت عينتاب في ذلك الحين محاصرة ثمانية أشهر ، وكان أهلوها يدافعون عنها دفاع المستميت ، إلى أن نفد ما عندهم من الزاد ولم يبق عندهم شيء من الذخائر ، فاضطروا إلى الاستسلام تحت شروط ملائمة لمصلحتهم حسب الإمكان ، وكان