محمد راغب الطباخ الحلبي
596
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
بثلاثين ألفا وعساكر الجبل بخمسة عشر وذلك ما عدا المتطوعين . وكان قواد هذه الجيوش يراسلون محمود كامل باشا ويرجون منه أن يقلع عن المقاومة ويسلم بالشروط التي يرتضيها ، وهم مع ذلك كانوا يرسلون له بالأراجيف من سقوط القلاع والبلاد والآستانة وأن السلطان في الأسر ، فكان كل ذلك لا يؤثر على محمود كامل باشا ، وكان تارة لا يرد لهم جوابا ، وتارة يجاوبهم أن لديه من المؤن والذخائر والعساكر ما يكفيه سنين ، في حين أنه لم يكن لديه من كل ذلك إلا القليل ، بل وصلوا إلى التغذي بلحوم الدواب الضعيفة والمريضة وبالكلاب والهررة . ولما لم يقبل محمود شوكت باشا بشروط الصلح ، وكان قد نظم ما لديه من الجيوش بعض التنظيم وأعد لأعدائه ما استطاع من قوة ، استأنف القتال وقاتلت الجنود والضباط قتال المستميت ، وحملت على جيوش الأعداء المتجمهرة أمام جتالجة حملات عنيفة وذادت عن حياض الآستانة ذود الآساد عن عرينها ، فانكسرت جيوش الأعداء شر كسرة وولت الأدبار ، وطاردتها الجيوش العثمانية إلى أدرنة ، وهناك حاصرتها مدة وجيزة ثم استردتها . وبعد استرداد أدرنة وقسم كبير من البلاد تداخلت الدول بالأمر ، فعقد هدنة أخرى وبوشر بمذاكرات الصلح وأشقودرة لم تزل مثابرة على الدفاع . وفي أثناء ذلك كان مجلس الوكلاء في الآستانة يواصل الاجتماع ليلا ونهارا ويتذاكر بمهام أمور الصلح ويتخابر مع سفراء الدول العظام ، وكانوا يستفيدون سياسة من بقاء أشقودرة على المدافعة ، وكان كل من أعضاء مجلس الوكلاء يتساءلون عن محمود كامل باشا وعن أصله ومنشئه . وحدّث يوما جلال بك أحد ولاة حلب أثناء الحرب العامة ، وكان وزيرا للداخلية في عهد وزارة محمود شوكت باشا ، قال : كنا يوما جالسين في غرفة المجلس في الباب العالي نتذاكر في مسائل الصلح مع دول البلقان ونتحدث عن أشقودرة ووضعيتها وحراجة الموقف بها ، فالتفت إلينا محمود شوكت باشا وحملق عينيه وقالت بصوت جهوري : إن قائد القلاع في أشقودرة محمود كامل باشا هو من خيرة القواد العسكريين لا في الدولة التركية فقط بل لدى دول أوروبا أيضا ، وسيصبح هذا رجلا عظيما يكون له شأن كبير ،