محمد راغب الطباخ الحلبي

594

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وكان ناظم باشا وزيرا للحربية في هذه الوزارة ، وكان شديد البغض والعداوة لمحمود شوكت باشا فاتح الآستانة ولا يركن إلى حواشيه ومعتمديه . فصادف ذات يوم أن المترجم محمود كامل باشا ذهب مع بعض أصدقائه وإخوانه إلى ( حريت أبدية تبه ) وهو موضع قتل فيه بعض ضباط الاتحاديين يوم حادثة 31 مارت سنة 1325 ، وتبعهم بعض جواسيس الوزارة ونفر من مخابري الجرائد [ الاتحاديين والائتلافيين ] فأبّن هؤلاء القتلى بخطبة وجيزة خالية عن كل مغزى سياسي ، فما مضى على ذلك بعض ساعات إلا وانتشرت تلك الخطبة في الجرائد بحذافيرها ، وصارت جرائد الاتحاديين تحبذها وجرائد الائتلافيين تبني عليها القصور والعلالي ، واتصل الخبر بالصدر كامل باشا ووزير الحربية ناظم باشا وقامت في الوزارة ضجة أصبح كل واحد من المجتمعين يوجس خيفة في نفسه من هذا الاجتماع . وعقب ذلك بلغ ناظم باشا للمترجم أنه عينه قائدا إلى أشقودرة على جيوش القلاع والحصون ، وأنه ينبغي أن يبارح الآستانة في الحال ، فلم يجد بدا من امتثال الأمر ، فلم يصل إليها إلا بشق الأنفس ، وتعرض في طريقه لجلائل الأخطار . وقبل وصوله بأيام قلائل كانت أكثر قرى أشقودرة ومعاملاتها سقطت في يد العدو وفي أيدي العصابات ، وكان قائد الجيوش المرتبة أسعد باشا الطابطائي أحد كبار الأرنؤوط ذوي النفوذ ، وكان رئيس عشيرة ومقدما زمن السلطان عبد الحميد ، والوالي وقائد الفرقة فيها حسن رضا باشا ، وكان يسعى ضمنا وراء استقلال بلاده . وفي ذلك الوقت أعلن الحرب رسميا بين الدولة العثمانية وبين دول البلقان الأربع البلغار والصرب وقره طاغ [ الجبل الأسود ] واليونان اعتبارا من 19 أيلول سنة 1328 ، وتجاوزت عساكرها حدود البلاد العثمانية . وكانت العصابات قبل ذلك منتشرة في أنحاء البلقان تقطع الطرق وتنهب القوافل وتعيث فسادا في تلك الربوع ، فلم تكن عشية أوضحاها إلا وجيوش الدولة العثمانية تبعثرت وتشتت ، منها من فر ومنها من أصبح أسيرا ومنها من قتل ، وصارت أكثر بلاد الرومللي وما فيها من أنواع الأسلحة والذخائر الحربية في قبضة الأعداء . ثم زحفت جيوش الدول الأربع نحو الآستانة وامتلكوا في طريقهم بلدتي ( قرق كليسا ) و ( لوله بور غاز ) اللتين هما بمثابة مفتاحين للآستانة ، وأصبحت جيوش الأعداء أمام جتالجة ، فتفاقم عندئذ الأمر وعظم الخطب وقامت قيامة الآستانة واضطرب أهاليها أيما اضطراب ، وامتد ذلك الاضطراب إلى جميع البلاد العثمانية . فعقد حينئذ في القصر