محمد راغب الطباخ الحلبي

591

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وحدث أنه بينما كان ذات يوم يتجول في جبال ( أنس ) الذي هو تقريبا مبدأ منشأ الثورة في بلاد اليمن صادفه رجل من مقدمي هذه الجبال يقال له المقداد ، ولعله الآن في قيد الحياة ، فقال له المقداد : تعال امش معي لأريك مغارة كبيرة هامة ، فظن أنه يقصد أن يريه محلا قديما من الآثار التاريخية ، فذهب معه ، ولما دخل المغارة لم يجد فيها ما يستلفت النظر ، فعندئذ قال له : أرأيت سعة هذه المغارة يا حضرة البيك ، إن الليرات التي يدفعها أهالي هذا القضاء ظلما وفضولا لتملأ هذه المغارة عدة مرات ، وإنا إلى الآن لم نقدر أن نملأ بطن زكريا باشا الجركسي ، ولم يبق بين أيدي الأهالي سوى أحجار أبنية هذا القضاء المخرب وأنقاضه ، فهل من الممكن بعد هذا كله ألّا نعصي ولا نثور ، فأنتم يا أرباب الحل والعقد ، إذا لم تتداركوا الأمر وترفعوا الظلم والعسف فمن المستحيل أن يسود الأمن وترجع الطمأنينة إلى هذه الربوع . وكن على يقين أنا اليمانيين نحب الترك أكثر من حبهم لأنفسهم . قال هذا وتنفس الصعداء . وقيل إنه كان لزكريا باشا هذا ثمانون ألف ليرة عثمانية ذهبا في المصرف الإنكليزي في عدن ، وشاع إذ ذاك أن الإنكليز ضبطوها وصادروها . وكان المترجم من حين دخوله إلى اليمن إلى حين خروجه منها يدرس أحوالها وأخلاق أهليها ، ويختلط بكبرائها وساداتها والمقدمين فيها وجميع طبقات الناس ، ويذاكر علماءها ومشايخها ويطارحهم المسائل ويحاضرهم ، وذلك لمعرفته باللغة العربية وفصاحة لهجته ، ولوقوفه على كثير من الأحاديث النبوية وحفظه قسما من الأشعار العربية مثل المعلقات واللزوميات وديوان المتنبي ، ولذلك كان أينما حل يلقى من الحفاوة والإكرام ما لا يلقاه غيره ، ويلقى من أهل البلاد محبة وركونا إليه ، وكانوا إذا أرادوا الاستسلام لا يستسلمون على الأكثر إلا بواسطته ولا يثقون إلا به ويعتمدون عليه تمام الاعتماد ، وكان يعدهم بقرب انفراج الأزمة والتخلص من أوهام السلطان عبد الحميد التي بثها فيه من كان مستوليا على أفكاره من الرجال الذين كانوا محيطين فيه من المنافقين والدجالين ، حتى صارت منشأ تلك الفتن وحدوث هذه الثورات ، وكان يعني بذلك قرب إعلان الدستور . وكان يتألم كثيرا لإراقة هذه الدماء البريئة وذهابها هدرا من الطرفين من غير ما جدوى ولا غاية ، وكل ذلك ناشىء من سوء الإدارة ومما يقع من أنواع الظلم والارتكابات .