محمد راغب الطباخ الحلبي
549
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
وكان يختلي على العادة في كل سنة أربعين يوما ، يبتدئ بذلك من عشرين شعبان ويخرج أول يوم من عيد الفطر . وكان معظم أيامه صائما وخصوصا يوم الخميس والاثنين ، فقد كان ملازما لصيامهما مع الإكثار من تلاوة القرآن ودلائل الخيرات والتهجد . ومع اشتغاله في ذلك كان له دروس يطالعها ويقرؤها لبعض الطلبة والمريدين . ومن جملة من أخذ عنه الشيخ أحمد البدوي الجميلي الذي أقام في المدرسة الشعبانية مدة طويلة ، وكان يقرئ فيها الطلبة مبادئ العلوم من فقه ونحو ، ومنهم الشيخ سعيد الإدلبي ، والشيخ عيسى البيانوني وولده الشيخ إبراهيم الذي جلس بعده على السجادة . وبالجملة فقد كان رحمه اللّه شاغلا وقته في التعبد والتهجد وقراءة الأوراد وإقامة الذكر بعد عصر الجمعة وقراءة الدروس . وألف كتابا سماه « إرشاد الخليقة لسلوك طريق أهل الحقيقة » وهو في بيان أركان الطريق ، ومستند القوم في الرد على المنكرين ، ومقامات النفس ، وفي الفرق بين طريقتي السادة القادرية والسادة الخلوتية . ولما كثر إخوانه بحيث كان تضيق بهم قبلية مسجد الأصفر الذي قدمنا أنه كان يقيم الذكر فيه سعى في سنة 1315 في بناء زاوية له في الزقاق المعروف بزقاق أبي درجين في التربة الخشابية التي قدمنا ذكرها والكلام عليها في الجزء الرابع ص ( 398 ) ، وقد كانت خربة مهجورة مغلقة الباب من سنين ، فتح لها بعض مستأجري الفرن الذي في غربيها بابا ، وصار يضع فيها القش والحطب ، فاستلمها المترجم بإذن من الحاكم الشرعي وشرع في بناء مكان واسع لإقامة الذكر ومسجد للصلاة وإقامة الجمعة وحجرة للجلوس لها مدخل إلى مكان إقامة الذكر . وساعده أهل البر والإحسان في مصاريف ذلك ، وأتم هذه العمارة في سنة 1317 وصار يقيم الذكر هناك ويجلس في تلك الحجرة لزيارة الإخوان والقراءة للمرضى وكتابة التعاويذ والحجب لهم والتعبد وتلاوة القرآن وقراءة الدروس . وما زال على ذلك إلى أن توفي ضحوة يوم الاثنين رابع ربيع الثاني سنة ألف وثلاثماية وسبع وثلاثين ، ودفن في تربة الكليباتي رحمه اللّه رحمة واسعة . وخلف ذكورا وإناثا . ووقف على بناته داره العظيمة في محلة الجلّوم في الزقاق المعروف