محمد راغب الطباخ الحلبي
544
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
وكان المترجم يضع في كل بيت من بيوت داره الواسعة خزانة من كتبه فيطالع فيها في الأدب والتاريخ ، وقد كان مولعا بهما ، ويحفظ قسما كبيرا من المعلقات وغيرها . وكان منزله الخارجي ( القناق ) مجمعا للعلماء والأدباء أمثال شيخنا الشيخ بشير الغزي وأخيه الشيخ كامل والشاعر يوسف الداده وغيرهم . وتولى عدة وظائف ، فصار عضوا في محكمة بداية الحقوق ، ثم في محكمة استئناف الجزاء ، ورئيسا لغرفة التجارة في حلب ، وصار رئيسا للمجلس البلدي أولا وثانيا ، وولايته للمرة الثانية كانت سنة 1325 هجرية حينما كان والي الولاية محمد ناظم باشا . وجرى له معه حادثة وهي أنه في السنة المتقدمة والتي قبلها حصلت عمارة في الجامع الكبير ذكرناها في أواخر الجزء الثالث ( ص 401 ) ، وعيّن المترجم ناظرا للعمل ، وقد فاتنا أن نذكر ذلك ثمة ، وصرف وقتئذ ألفا ليرة عثمانية ذهبا . ولما قدّم المترجم دفتر المصروف لم يوافق المجلس على ختمه ، وكان المعارض في ذلك الشيخ محمد العبيسي مفتي حلب لأمر كان بينهما ، فبلغ المترجم ذلك فحمل ألفي ليرة وذهب إلى المجلس ، ولما دخل قال : إن ما صرفته على الجامع هو تبرع مني إليه ، وها هي الألفا ليرة . وحينئذ أدرك الوالي ناظم باشا وبقية الأعضاء سر المسألة وأخذوا في تلطيف خاطره وختموا له الدفتر وأعادوا له الدراهم . ومن مزاياه أنه كان صادق اللهجة مستقيما حسن الوفاء لما وعد به ، مبسوط اليد لا يألوا جهدا في بذل المعروف لذوي الحاجة والفاقة ، مبذول الجاه لمن قصده بقدر الإمكان ، باش الوجه متواضعا . وامتدحه عدة من شعراء الشهباء بعدة قصائد . ومع مداخلته في أمور الحكومة وتوليه للوظائف المتقدمة وغيرها من اللجان ( القومسيونات ) التي عين فيها تارة رئيسا وتارة عضوا لم يلبس الثياب الضيقة التي يلبسها الحكام المسماة ( بالسترة والبنطلون ) بل بقي على لباسه العربي ، وهو الثوب المعروف بالقنباز ، وفوقه زنار من الشال الهندي وجبّة طويلة من الجوخ كما تراه في رسمه . وفي نواحي سنة 1327 بعد أن انتهت مدة رئاسته للبلدية لزم بيته وعكف على المطالعة كما قدمنا وعلى النظر في شؤون أملاكه وزراعته وزيتونه الذي في نواحي كفر تخاريم وسلقين ، إلى أن وافاه الأجل المحتوم ، وذلك يوم الثلاثاء في العشرين من جمادى الأولى سنة 1335 ، ودفن في تربة الصالحين ، رحمه اللّه تعالى .