محمد راغب الطباخ الحلبي

521

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

أتي له برجل مقعد ، فقرأ له ما تيسر فقام في الحال بإذن اللّه تعالى . وشاع ذلك في مكة ، ولا زالت تتناقل هذه الحكاية إلى الآن . وحج ثانية في سنة 1304 وكان معه نحو 30 شخصا ينفق عليهم نفقة واسعة ، وقد باع للأولى والثانية بعض أملاكه التي ورثها عن أبيه وصرف ثمنها في هذا السبيل . ولما كان هناك بلغه أن أناسا من العبيد عليهم ضريبة لأسيادهم يؤدونها لهم مياومة ، فاشتراهم واعتقهم ، وكانوا ثلاثة عشرة عبدا . وأعتق في حلب ثلاثة من العبيد وسبعا من الجواري ، وزوّج بعضهم . ورحل في سنة 1302 إلى القدس الشريف على قدم التجريد ، وكان معه عدة من مريديه ، وزار من هناك ، ومن جملة من كان معه أخي الكبير الشيخ محمد رحمه اللّه ، وكان من خواص مريديه بل أول مريد لديه لما كان عليه من العلم . وكان قبل سفره إلى مكة ومجاورته بها ملازما للشيخ يكاد لا يفارقه ، وكانا متساويين في السن ، فكان يأتي سيدي الأخ إلى الزاوية كل ليلة غالبا ويطالعان سوية في كتب الصوفية مثل « الإحياء » وغيره ، وكانا عالمين باصطلاحاتهم عارفين بكلامهم معرفة تامة ، وكانت محبتهما لبعضهما محبة خالصة لا يشوبها شيء من المنفعة الدنيوية ، وهي التي يسميها الصوفية المحبة في اللّه . وبعد أن سافر أخي إلى مكة للمجاورة والتجارة كانت المكاتبات لا تنقطع فيما بينهما ، ولما حج الشيخ حجته الثانية كان أخي هناك ، فلقي هو وإخوانه من أخي كل ما فيه راحتهم . وظلت المكاتبات بينهما إلى أن توفي أخي رحمه اللّه سنة 1307 كما تقدم في ترجمته . وبعد أن عاد من حجته صحا من جذبه وعاد إلى لبس فاخر اللباس ولازم زاويته للإرشاد وإقامة الذكر ، ومريدوه كل يوم في ازدياد ، حتى أصبحوا لا يحصون كثرة . وكان من شأنه أن يسمر مع زائريه إلى الساعة الرابعة والخامسة ويذاكرهم في مسائل علمية وأدبية وتاريخية . وقد كان له إلمام في التاريخ ومعرفة تامة في الأنساب خصوصا أنساب العائلات الشهيرة في حلب ، ويعظهم بالمواعظ الحسنة بما يرقق قلوبهم ويوجب إقلاعهم عن المعاصي والدنيئات وتخلقهم بالأخلاق الحسنة ، ويؤلف فيما بينهم بحيث يصدق في