محمد راغب الطباخ الحلبي
478
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
وكان من ظلم الوالي بعد عزل الفقيد من رياسة البلدية أنه أرجع راتب الجاويشية كما كان ، وألزم صاحب الترجمة بدفع ما كان زاده لهم في مدته إلى صندوق البلدية ، كما ألزمه بدفع ما أنفق على سلاسل الحديد التي منع بها الجمال من المدينة لأن الوالي أمر بإزالتها عقيب عزله ، ثم عاد فأمر بإعادتها بعد زمن قريب ، ولكنه لم يعد إلى الفقيد الغرامة التي ظلمه بها . ولما عين رئيسا لكتاب المحكمة الشرعية كانت المحكمة في أسوأ الأحوال في الصورة والمعنى ، فكان ينفق على إصلاحها من جيبه ، حتى إنه استحضر لها السجوف والأستار من بيته ، ومنع اختلاط النساء بالرجال إذ جعل لكل مكانا ينتظر فيه دوره للتقاضي ، ورتّب الأوقات ونظّم الدفاتر . وكان صاحب عزيمة ، لا يهاب حاكما ولا يخاف ظالما ، وعزيمته هي التي جنت عليه ، فقد كان نجح في عمله عندما عين مديرا ومفتشا لمصلحة حصر الدخان كما تقدم في السيرة الرسمية ، حتى وقع النزاع بينه وبين عارف باشا والي حلب يومئذ فبطل العمل . عمل الفقيد في ضبط هذه المصلحة ما عجزت عنه إدارتها العمومية والحكومة جميعا ، حتى كانت تخسر في ولاية حلب دون سائر بلاد الدولة . وكان المشتغلون بتهريب الدخان البلدي وبيعه في حلب سبعمائة رجل ، فعين لهم رواتب شهرية ومنعهم من التهريب بحكمة عجيبة . وسيأتي مجمل خبره في عداء الوالي عند الكلام على بعض الصعوبات التي لقيها في طريقه . كانت مدة الاتفاق الأول مع مصلحة حصر الدخان ثلاث سنين ، فانفصل من إدارة العمل والتفتيش بعد سنتين بالسبب الذي ألمعنا إليه . ولثقة الفقيد بنفسه واقتداره على العمل ذهب إلى الآستانة بعد عزل عارف باشا من ولاية حلب ، فعقد اتفاقا آخر مع المصلحة والحكومة مدته عشر سنين . وكان أراد أن يضم إلى ولاية حلب ومتصرفية دير الزور ولايتي بيروت وسورية فلم يرض له ذلك من استشاره من الأقربين ، فرجع عنه وقد نجح أيضا في المرة الثالثة ، ولكن بعد أربع سنين حدثت الفتنة الأرمنية فنهب الأرمن الدخان من عدة بلاد وقتلوا موظفي المصلحة ، فكان الفقيد يخسر في الشهر بضعة عشر ألفا من