محمد راغب الطباخ الحلبي
459
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
أنه كان يدق النقرظان ( وهو المسمى في عرفنا بالنقاريات ) في التكية المولوية في حلب ، وكان يضع النقرظان خلف ظهره ويدق وحوله النايات وغيرها من الآلات ، وأنه كان إذا دخل لجمع ليلا يجلس على كرسي ويحدث من ألف ليلة وليلة عن ظهر قلب ما يناسب الجمع ، إن كانوا علماء فمما يناسبهم وإن كانوا من الوجهاء أو الشبان فكذلك . فدقه على الآلة على هذه الصورة مع عدم الخلل في ذلك يدل على مهارة تامة في علم الموسيقا ودربة بالغة منتهاها ، وتحديثه على الشكل المتقدم يدل على قوة حافظته وحسن استحضاراته . وحدثني من أثق به أنه كان يقال : لو رمي الحاج مصطفى البشنك من فوق منارة الجامع الكبير إلى صحنه لما حصل له شيء من الضرر ، لأنه لا يهوي إلا على الأصول ، فلا يصل إلى الصحن إلا على رجليه فلا يناله لذلك أدنى ضرر . وحدثني أيضا أنه كان في بعض الليالي في فرح ومعه مسيحي ماهر في دق النقرظان ، وكان شيخا مسنا ناهز الثمانين وعلى رأسه عمامة سوداء كبيرة ، فبينما كان يدق في النقرظان إذ به قد أخطأ في دقة ذهب منه ( تك ) فنظر إليه البشنك نظرة مغضب وأخذته الحدة لغلطته وعدها شيئا نكرا ، ولم يسعه إلا أن ضربه بالدف الذي كان بيده على عمامته الكبيرة وقال له : ويحك لقد أذهبت ( تكا ) لا يقام له ثمن . وتناول النقرظان ووضع عوديه بين إبهامي رجليه وصار يدق بهما دقا محكما لا يختل فيه مثقال ذرة ، وبيده الدف يضرب عليه ، فتعجب الحاضرون من عظيم مهارته . وكانت وفاته سنة 1272 ، ودفن في تربة السفيري بجانب الشيخ قاسم الخاني في قبلية . ومكتوب تحت اسمه : قد كان صاحب هذا القبر جوهرة * نفيسة صاغها الرحمن من صدف إلخ البيتين المشهورين ، وفي ذلك تنويه بعظم شأنه وتقدير أهل عصره له . ولم يخلفه في حذقه في هذه الصناعة والضرب على الآلات أحد مثله في هذه الديار ، حتى إنه يضرب به المثل إلى الآن فيقال لكل من تقدم أمام قوم أو برز في أمر : هو البشنك . على هذا الأستاذ تلقى الورّاق دروسه الموسيقية وبه تخرج في الأنغام والألحان ، فكان