محمد راغب الطباخ الحلبي

419

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

العبرات وتردد الحسرات . وقد نظم قسطاكي بك حمصي هذه الأبيات لتنقش على ضريحه : هاهنا اليوم ثوى بدر النهى * بعدما كان ينير الخافقين هاهنا قد ألحدوا بحر الحجى * فيلسوف القطر نظّام اللجين ذاك جبرائيل دلّال الذي * فضله قد ضاء مثل الفرقدين يا أولي الفضل الثموا هذا الثرى * واندبوه أثرا من بعد عين وترجمه صاحب مجلة المشرق في السنة الثالثة عشرة منها ، ومما قاله أنه نشأ على آداب والده ودرس في مدارس المرسلين في عين طورا وحلب ، وكان مغرما بالعلوم العصرية فأحرز منها حصة حسنة ، وانكب على الفنون العربية ودرس آثارها نثرا ونظما فصار من أوسع أهل وطنه معرفة بآداب العرب . وسافر غير مرة إلى الآستانة وتعلم فيها التركية ، وتجول في الأقطار حتى بلغ إسبانية والبرتغال وبلاد الجزائر ، وحط عصا التسيار في باريس فحرر مدة صحيفة ( الصدى ) لسان حال السياسة الفرنسوية ، وصار ترجمانا لوزارة المعارف . وتعرف في منصبه بكثيرين من أهل الوجاهة القادمين إلى باريس . ثم استدعاه الوزير خير الدين باشا لما قلد منصب الوزارة إلى دار السلطنة لينشىء فيها صحيفة ( السلام ) ، ولكن تلك الجريدة لم تلبث أن تلغى بعد استقالة خير الدين باشا ، فطلبه المكتب العلمي في فيانا ليدرس العربية في كليتها ، ففعل مدة سنتين ، وصنف هناك بعض المصنفات ، منها رسالة في ملخص التاريخ العام ورسالات لغوية . ثم عاد إلى وطنه سنة 1884 بعد تغيبه عنه عشرين سنة . فبقي مدة يتعاطى الآداب ، وهناك اجتمعنا به سنة 1887 ونقلنا بعض مخطوطات مكتبته ، وما كنا لنظن أن هذه المكتبة ستباع يوما ويقع في يدنا كثير من آثارها . وكان صاحب الترجمة لاختلاطه بأهل السياسة في أوربة عرف ما تقتضيه بلاده من الإصلاحات ففرط منه بعض أقوال نقلت إلى ذوي الأمر ، فألقي في الحبس وبقي هناك إلى يوم وفاته في سنة 1892 ، وقيل إنه قتل مسموما في اليوم الذي جاء الأمر بإطلاقه واللّه أعلم . وكان بين جبرائيل الدلال وبعض مشاهير العصر وشعرائه مراسلات ومساجلات ، وله قدود غناء وكان بارعا بأصول الموسيقى .