محمد راغب الطباخ الحلبي

416

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

ولما كان في نحو العشرين من عمره مات له عم في القسطنطينية بلا عقب وترك ثروة كبيرة ، فسافر إليها ليستولي على حصته من التركة المذكورة ، ثم عاد إلى وطنه بعد خمسة شهور ، وعلى إثر رجوعه بمدة قصيرة تزوج فتاة من أجمل بنات الشهباء بل بنات الشرق ، جامعة بين الذكاء والصيانة . وفي سنة 1868 عاد إلى القسطنطينية فلبث فيها إلى السنة التالية ، وفي تلك الأثناء نظم من القصائد والمقطعات شيئا كثيرا ، كقوله من قصيدة يمدح بها جودت باشا : العلم بعض صفاته والفضل بع * ض خلاله والعلم بعض خصاله والجود من أسمائه والسعد من * قرنائه واليمن من إقباله ثم استصحب قرينته معه إلى أوروبا وزار أكثر مدنها الشهيرة . وبعد مدة قصد صاحب الترجمة بلاد البورتوغال لقضاء حاجة كانت في نفس أحد أصحابه من الأشراف كان توسل إليه في التماسها من ملك تلك الدولة ، فلما تشرف بمقابلة الملك أجاب الملك سؤله وبلغه مأموله وربح جبرائيل من ذلك مالا جزيلا . ومر في طريقه بإسبانيا وأحب أن يتفقد آثار العرب في الأندلس وما كان لهم هناك من ضخامة الملك واتساع الحضارة ، ثم عاد إلى مرسيليا حيث أصيبت قرينته بمرض عضال فماتت مأسوفا على شبابها ، فرثاها رثاء مؤثرا بقوله : لي حالة يكتمها تجلدي * إظهارها يصدع قلب الجلمد قد شرّد الغم جناني بالأسى * وقيّد الهم لساني ويدي فباطن تبكي له أحبتي * وظاهر تضحك منه حسّدي وما جرى نفي الكرى وفي الورى * بعد الذرى عدت أرى في الوبد « 1 » في محنتي وفكرتي ولوعتي * تجلدي تسهدي تنهدي وهمتي تأبى الخمول فترى ال * جدّ مقيمي والقضاء مقعدي على شبابي والبلاء والفنا * واحسرتي واحزني واكمدي ولما لم يطق الإقامة في المدينة المذكورة بعد هذا المصاب سار إلى باريس ، ومنها إلى بلاد الجزائر في المغرب الأوسط ، ومنها إلى بلجيكا . ثم رجع فألقى عصا التسيار في باريس ،

--> ( 1 ) الوبد : الفقر والبؤس وسوء الحال .