محمد راغب الطباخ الحلبي

376

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

واشتغل بأمانة الفتوى مدة ، وعين عضوا في مجلس إدارة الولاية . وكان ربعة أسمر اللون نحيف الجسم أسود العينين وخطه الشيب في أواخر عمره ، وكان رقيق الحاشية ظريف المحاضرة لا يمل منه جليسه ، حسن الخلق جدا ، وربما أوقفه ذو سؤال زمنا غير يسير وهو يستمع له ولا ينصرف حتى يكون السائل هو المنصرف . وكان وقورا مهابا قنوعا متصلبا في دينه وقافا عند الحق . وكان يعرف اللغة التركية إذ كان يندر من يعرفها بحلب خصوصا من العلماء . وحدث مرة أن انحلت نيابة القضاء في حلب وتأخر قدوم النائب ، فأراد الوالي إذ ذاك أن لا تتراكم الأشغال في المحكمة الشرعية ، فكلف رئيس الكتاب أن يتولى القضاء وكالة ، فقال له : لا يجوز توكيل الوالي ولا ينفذ قضاء من يوكله ، فقال له : أنا وكيل الخليفة فلي أن أوكل ، فأبى عليه القبول ، فتكدر منه وأخرجه من عنده . ثم إنه أراد تنفيذ مقصده فكلف المترجم إلى الوكالة ، فأجابه إلى ذلك ، فسر جدا وكتب له في الحال منشورا بتوكيله إياه في القضاء ، فذهب إلى المحكمة الشرعية وصار الناس يتطلعون إلى صنيعه كيف يوفق بين أمر الوالي والحكم الشرعي ، فكان يسمع للخصمين ويضبط مقالهما ثم يشير عليهما بالصلح ويريهما أحسن وجه للاتفاق ، ولا يزال يعظهما بالموعظة الحسنة حتى يتصالحا فيكتب بينهما صكا وقد حصل المطلوب من للقضاء . وإذا أتى عليه خصمان عن المصالحة قال لهما : أتحكمانني بينكما ؟ فيحكمانه ، فيكتب صكا بتحكيمهما ثم يحكم بينهما ويؤخر تسليم صك الحكم إلى حضور النائب ، ثم لما حضر النائب أمضى كل ما تم من قبل المترجم وختم صكوكه . وقد اكتسب شهرة عظيمة بهذا الصنيع فكان من بعد ذلك وقفا على الإصلاح بين الناس ، وربما حضر مجلسا لإصلاح بين خصمين فوجد الخصم الذي دعاه غير محق ، فكان لا يألو جهدا في نصحه وإرجاعه إلى طريق الحق ، وإنما كان موفقا في ذلك لأنه إنما كان يقصد وجه اللّه تعالى . وكان متوليا على جامع جده أبي يحيى وخطيبا وإماما فيه . وكانت وفاته في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة ثلاثمائة وألف ، ودفن في جامع جده المتقدم رحمه اللّه تعالى ، وخلف ولدين أحدهما السيد الشيخ عبد الرحمن أفندي المشهور