محمد راغب الطباخ الحلبي
351
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
يده للتقبيل قط ، بل كان كل من أراد أخذ يده للتقبيل هو يفتح يده ليأخذ يد مريد تقبيل يده . وكان يكتب في مكاتيبه ومراسلاته : من أحقر الورى أحمد الترمانيني . وكان كثيرا ما يقول : لو أطاق جسمي النار لما سألت ربي الجنة ، فإني أستحي أن أسأله دار كرامته . وانتفعت به الطلبة طبقة بعد طبقة . وكان يحب أن لا يأكل من المعلومات التي له ، بل يفرقها ويأكل من ربح التجارة ، ولا يأكل من أموال الزكاة إلا عن ضرورة ، ويقول إنها تورث ظلمة في القلب . وكان يكره كل شيء فيه شائبة رئاسة طبعا فلا يمكن أحدا يمشي خلفه ، ولا يأتي حاكما ولا واليا ولا قاضيا قط ، وهم يتمنون تقبيل قدمه فما يمكنهم أبدا . ومرة أراد وال أن يقبل يده بالقوة فما أعطاه الشيخ يده ووقع طربوش الوالي من على رأسه إلى الأرض وما قدر على أخذ يد الشيخ ، وكانت تلك الواقعة في جامع الرضائية بمحضر من الناس منهم العلماء والخطباء والطلبة ، ولا يبعث لهم ورقة في قضاء حاجة بل يتوسل اللّه تعالى فتقضى كما يحب . وكان الموت نصب عينيه ، فهو جالس في الدنيا جلوس رجل مستوفز يريد النهوض . وقد اشتهر بالهمة بين أهل العلم فكان يجلس قدر أربع ساعات في الدرس على ركبتيه ولا يمل وكأن جسمه من حديد ، ومع هذا يكتب ما يرد عليه من الإفتاء بالأجوبة الحسنة لأهل حلب ولغيرهم من إقليمها ، ويكتب على هوامش نسخه التي يقرؤها للطلبة ، ويؤلف في كل شيء رأى فيه على الطلبة صعوبة تأليفا يقرب عليهم مسافة الطريق . وكانت دروسه مطرزة بالحكم الإلهية والآداب اللدنية حتى دروس النحو والمنطق وعلوم العربية . وبالجملة كان مفردا في علمه وأخلاقه وأحواله وهمته وزهده وورعه وغير ذلك ، وقد تشرفت بقراءة جملة من الكتب عليه ( سردها وقد ذكرناها في ترجمته وختمها بقوله ) : وقد قرأت على مشايخ عظام كتبا من فقه ونحو وقراءة وغير ذلك وانتفعت بهم وللّه الحمد ، ولكن ما انتفعت على شيخ منهم مثل انتفاعي عليه ، جزاه اللّه عن أهل إقليمه خيرا ورفع له في الدارين قدرا . ا ه . أقول : لم يذكر الشيخ عمر الطرابيشي تاريخ وفاة هذا الأستاذ الجليل لتقدم وفاته عليه ، وكانت وفاته بعد عصر يوم الأحد ، ودفن صبيحة يوم الاثنين في الرابع عشر من شهر