محمد راغب الطباخ الحلبي

348

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

أعمال حلب ، وكأن اللّه تعالى أرسله لهداية أهل هذه القرية الذين كانت حالتهم أشبه بحالة الجاهلية من القتل والسلب المشروعين في اعتقادهم ، فأقام الشيخ بينهم آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر متحملا منهم أنواع الأذى ، وثابر على ذلك إلى أن أثمر نباته وتحققت أمنيته ، فإن الضلال لم يلبث أن انعكس إلى هدى ، وأضحى سكان الشغر قدوة حسنة لغيرهم . وبعد حضوره أنشأ في قرية الشغر زاوية وأخذ في نشر العلوم الشرعية موجبا على نفسه قراءة ثلاثة دروس في كل يوم ، فاشتهر علمه وفضله وصلاحه وتقواه بين الخاص والعام ، وذاع صيته في الأقطار ، وصارت تضرب إليه أكباد الإبل من كثير من البلاد ، سيما بعد أن ظهرت على يده كرامات باهرة ، وأصبحت زاويته محط الرحال للمستفتي والمستشفي والممتحن والمستجير والمجاور . وكان المستفتي لا يتكلف السؤال ، بل كان يجلس في حلقة الدرس العام فيسمع جواب مسألته ، وهكذا الممتحن والمستجير وغيرهم . ويطول تعداد مناقبه وكراماته التي يحفظها الكثيرون من معاصريه . ومن الذين قصدوه ممتحنين له عالم ريحا الشيخ محمد نوري أفندي مفتي إدلب سابقا ، وكان بينهما موقف شهير اعترف فيه الشيخ محمد نوري بفضله والتسليم بكراماته الظاهرة للعيان ولا زال يذكرها إلى الآن ، وكذا الأستاذ الشيخ عبد الفتاح أفندي المحمودي اللاذقي حتى إنه أخذ عنه ومدحه بعد وفاته بقصيدة توسلية جاء فيها : وبشيخنا القطب اليماني الذي * في الشغر أضحى ثاويا مستوطنا حتى توفاه الإله وقبره * بجوار عز الدين يشرق بالسنا أحيا بلاد الشرق في إرشاده * وبنى المساجد في قراها واغتنى وكان لا يقبل إنعاما من أحد إلا إذا أهدي إليه كتاب ، ولا يمد يده لغير مشروع ، زاهدا في هذه الدنيا ، لم يتزوج ولم يملك من حطامها شيئا ، ويكتفي بالقليل من الطعام . وكان صومه أكثر من إفطاره ، ولباسه ثوبا من الخام الذي يصنع بالقرية نفسها . وحينما حضر إلى هذه البلاد كان عمره 23 سنة وتوفي في الخامسة والأربعين من العمر ( في التاريخ المتقدم ) وأنشأ الزاوية المتقدمة وجامعا في الشغر بكسرية ومسجدا في قرية كفرنجي .