محمد راغب الطباخ الحلبي
339
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
حجّه ، وعجّه وثجّه « 1 » . توجه لزيارة أشرف إنسان ، وأفضل مخلوق من ملك وإنس وجان ، وجاور في تلك البلدة الشريفة ، ذات الرتبة العالية المنيفة ، أربع سنوات . وكان يحج في كل عام ، ثم بعد التمام يرجع لمدينة خير الأنام . ثم قصد زيارة القدس الشريف ، فلما وصل يافا في مركب شراعي تعسر عليه النزول إليها لأن النوء كان شديدا غير لطيف ، فطلع إلى عكا ، وكان قد مرض لشدة ما أصابه من الأهوال والعناء ، فذهب منها إلى ترشيحا لتبديل الهواء ، وكان ذلك سنة ألف ومايتين وست وستين ، وأخذ أمره من ذلك العهد بالانتشار ، فقصدته الناس من القرايا والأمصار ، وأخذوا عنه الطريق ، باذلين همتهم في حفظ ذلك العهد الوثيق ، وفي كل يوم يشتهر أمره ، ويزداد علوه وقدره ، إلى أن انتشر الطريق في الآفاق ، فلم يدخل الإنسان من البلاد السورية إلى محل إلا ويجد مرشدا منهم قد وقف للترغيب على ساق . وفي حدود سنة ألف ومائتين وثمانين أيام ولاية رشدي باشا الشرواني رأى منهم اجتماعا منافيا للسياسة العثمانية ، فنفاه هو وبعض جماعته إلى الجزيرة القبرصية ، ولم يزل بها ثلاثة أعوام ، إلى أن تداخل في الرجا في إحضاره الأمير عبد القادر الجزائري فاستجلبه إلى الشام ، وقد أجرت الحكومة عليه شديد التنبيهات ، في ترك ما كانوا يفعلونه من الاجتماع وأنه من الممنوعات . ثم عاد إلى عكا ورجع ، بعد أن أعطى المواثيق بأنه ترك ما كان عليه ونزع . ثم بعد أن انفصل ذاك الوالي المشار إليه ، رجع المترجم إلى ما كان من الظهور عليه ، إلى أن وجهت الولاية على رشدي باشا ، وكان قد حصل من جماعته في بعض المحلات أمور مذمومة واعتقادات مشؤومة ، فاستحضر الوالي المترجم تحت الحفظ إلى الشام ، وأراد نفيه إلى فزّان ، وقبض على نحو عشرين شخصا من جماعته المعدودين من خلاصة الأخوان ، فبذل الأمير عبد القادر رجاه لحضرة الوالي المرقوم أن يجعله محبوسا في داره ، وأن يسمح عن نفيه رحمة لذله وانكساره ، فحقق الوالي رجاه ، لما له عنده من الفضل والجاه . وأما جماعته فإنه نفاهم إلى فزّان ، وأذاقهم بذلك الذل والهوان . ثم إن حضرة الأمير بعد مدة أطلقه من حبسه ، وأرجعه إلى محله مشمولا بسرمده وكمال أنسه .
--> ( 1 ) في العبارة إشارة إلى الحديث الشريف : ( تمام الحجّ العجّ والثجّ ) . العجّ : العجيج في الدعاء ، والثجّ : سيلان دماء الهدي والأضاحي .