محمد راغب الطباخ الحلبي

437

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

القراءات ووجوهها ، النحوي الكامل العالم العامل . قدم حلب في سنة خمس عشرة ومائة وألف ، فاعتنى به الرجل الخير مصطفى الكردي العمادي وأنزله في المسجد الذي تحت الساباط في أول زقاق بني الزهرا ، ويعرف قديما بدرب الديلم بالقرب من داره ، فكان يقرئ القرآن العظيم في المسجد المذكور ، وكان حديث السن . وقد جمع اللّه فيه المحاسن والكمالات ، انفرد بحسن الصوت والألحان الشائقة والعلم التام بتحقيق التجويد ومخارج الحروف والإتقان وسرعة استحضار عند جمع وجوه القراءات وطول النفس ، لكنه كان ضنينا بتعليم القراءات السبع لم يقرئ أحدا بذلك ، وكل من طلب منه الإقراء بغير قراءة حفص يسوّفه ويماطله ولا يقرئه . أخبر تلميذه المتقن عمر بن شاهين إمام الرضائية قال : حفظت عليه القرآن العظيم وسني اثنتا عشرة سنة والتزمت خدمته وكنت أقيم أكثر أوقاتي عنده ويأخذني معه إلى القراءات ، وكنت أقوده إلى مكان يريده ، وكان يتفرس في النجابة ، وبعد القراءة يعلمني الألحان من رسالة كانت عنده ، ويعلمني كيفية الانتقال من نغم إلى نغم ، ويقول : إن ذلك يلزم من كان إماما ، وأنت ربما تصير إماما . وكان يعلمني كيفية قراءة التحقيق والترتيل والتدوير والحدر والوقف والابتدا ، ويباحثني في طول النفس لأنه كان يدرج ثلاث آيات أو أربعا من الآيات المتوسطات في نفس واحد ، وكان يقرأ آية المداينة في ثلاثة أنفاس من غير إخلال في الحرف ولا في مده . وكان يصلي التراويح إماما بالمولى الرئيس طه بن طه الحلبي في الرواق الفوقاني من جامع البهرمية ويقرأ جزءا من القرآن درجا صحيحا بقصر المد المنفصل ، والإمام الراتب يصلي في القبلية الصلاة المتعارفة بين أئمة التراويح ، فكان يسبقه الإمام بالوتر فقط . وكان ذكيا متيقظا أذكى من تلميذه الشيخ محمد الدمياطي . قال : وجرى لي معه مرة واقعة ، وذلك أني أتيت يوما لأقرأ ، وكنت لم أحفظ ما تلقيته وألزمني بالقراءة ولم يكن ثم أحد غيري ، فأخرجت مصحفا صغير الحجم ، فظهر له أني أقرأ عن ظهر قلبي ، فأصغى إليّ هنيهة ، ثم وثب علي ورمى بنفسه علي وقبض على المصحف من يدي ، فارتعت ، وشرع يضربني ويقول : يا خبيث ، تدلّس عليّ وتغش نفسك ،