محمد راغب الطباخ الحلبي
373
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ومفاوضات الخالديين ، وحاز محاورات الأحنف وفصاحة سحبان ، وحوى منشآت القاضي الفاضل ومدائح حسان ، ورام أن يزخرف كلاما يناسب مقتضى المقام والحال ، لفل حد القلم وضاق ذرع المجال ، وإن أحجم بقيت في النفس حاجة ، وعصف على القلب ريح حسرة فهاجه ، فلذلك أقدم على الثانية سجيا . وأبدي لتلك الحضرة العالية هديا ، فإن أكرم الأمير مثواها ، فنظم من فرائد عوائده فحلاها ، وأجاب بما يروي غليل الفؤاد ، ويخصب مراد المراد ، فذلك من مساعي فطرته المنجكية ، ودواعي شيمته البرمكية . فوصلته القصيدة والرسالة وهو متوعك المزاج فراجعه بهذه الأبيات : أمولاي من دون الأنام وسيدي * بمدحك قد بلّغتني كل سؤدد بعثت بأبيات كأن عقودها * منضدة من لؤلؤ وزبرجد أمتع طرفي في طروس كأنها * مبادي عذار فوق خد مورد سطور إذا ما رمت قتل حواسدي * أجرد منها كل عضب مهند تكلفني رد الجواب وإنني * أبيت بفكر في الزمان مشرد وليس يجيد الشعر منطق عاجز * ضئيل على فرش السهاد موسّد يمر به العمر الطويل مضيعا * على الكره منه بين واش وحاسد فعذرا أخا العلياء قلّت عزائمي * وقد كنت كالسيف الصقيل المجرد فإنك أهل العفو والصفح والرضا * وإنك من نسل النبي محمد أعز بني الدنيا وأشرف من سما * إلى الرتبة العليا بغير تردد صغير إذا عدّت سنيّ زمانه * كبير به أشياخنا الغر تقتدي تملّك رق الحمد والشكر والثنا * بكف على فعل الجميل معود فلا زال عينا للزمان وأهله * يجرر ذيل الفخر في كل مشهد وبلغني في أخريات أمره أنه تغيرت أطواره وانقلب إلى طبعه الأول ، وتجرأ على الناس بالأذية وسوء المعاملة ، وما زال حتى اجتمع عليه أهل بلده وقتلوه . وكان قتله نهار الأربعاء سابع عشري جمادى الأولى سنة ست وتسعين وألف . ويروى خبر قتله على أنحاء شتى ، والذي اعتمدته أنه كان سعر القمح بحلب قد نهض ولم يزل يترقى حتى بيع الإردب بخمسة وعشرين قرشا ، وشاع الخبر أن السيد عبد اللّه ارتشى هو وقاضي حلب من المحتكرين بألف قرش ليبيعوه بهذا الثمن ، فبلغ ذلك حاكم