محمد راغب الطباخ الحلبي

369

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

فراسته تغنيك عن ألف شاهد * تريه من الأشياء ما كان غائبا لقد نسخت أنواره كل ظلمة * كما نسخت شمس النهار الغياهبا وقور كأن الطير فوق جليسه * ترى الدهر منه خائف الدهر راهبا أخاف سباع الطير من سوط رأيه * فكادت لفرط الخوف تلقي المخالبا ولو أدرك المجنون أيام حكمه * لأعرض عن ليلى وأصبح تائبا جواد بما يحويه في كل حالة * إذا مل قوم لم يمل المواهبا نقي عن الفعل القبيح منزه * كلا حافظيه يكتبان الرغائبا خبير بتحقيق العلوم مدقق * إذا جال في بحث أراك العجائبا وإن نثرت يمناه في الطرس لؤلؤا * كتبنا على تلك اللآلي مطالبا فتى لا يحب الهزل والهزل باطل * وما خلق اللّه السماوات لاعبا يبيت بحب المكرمات متيما * إذا عشق الناس الحسان الكواعبا إذا رمت أن تحصي فضائله ولم * تدع قلما في الأرض لم تقض واجبا فإني رأيت المدح دون مقامه * فلا أيتم الرحمن منه المراتبا وذيلتها برسالة وهي : أقسم بمن جلّت عظمته ، وعلت كلمته ، وسخر القلوب للمودة المؤبدة ، وجعل الأرواح جنودا مجندة ، إنني أشوق إلى لثم يد مولاي من الروض إلى الغمام ، ومن الساري إلى تبلج القمر في الظلام . وقد كانت حالتي هذه وأنا جاره ، فكيف الآن وقد بعدت عني داره ، وليست غيبته عني إلا غيبة الروح ، عن الجسد الباقي المطروح ، ولا العيشة بعد فراقه الجاني ، إلا كما قال البديع الهمذاني : عيشة الحوت في البر ، والثلج في الحر . وليس الشوق إليه بشوق وإنما هو العظم الكسير ، والنزع العسير ، والسم يسري ويسير ، والنار تشوي وتطير . ولا الصبر عنه بصبر وإنما هو الصاب والمصاب ، والكبد في يد القصاب ، والنفس رهينة الأوصاب ، والحين الحائن وأين يصاب . وقد كتبت إلى مولاي هذه القصيدة ، وأنا لا أحسبها من الإحسان بعيدة ، وهذا الكتاب وقد أنفقت عليه مدة من العمر ، وصرفت على تحريره حينا من الدهر ، وحررته وأنا مشغوف بذكرك ، مشغول بحمدك وشكرك ، وعيني تودّ لو كانت مكانه ، وأمكنت من قطع المسافة إمكانه ، كل ذلك لتذكري عهدك ، ومقامي عندك ، في أوقات ألذ من شفاه الغيد ، وأشهى من قبل الخدود ذات التوريد ، حيثما العيش آخذ في طلقه ، واستوفى من الأماني حقه ، وأنت