محمد راغب الطباخ الحلبي

317

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وحكى لنا الشيخ عبد العزيز بن الأطرش ، وهو ناشد حلقة ذكره ، أنا كنا مع الشيخ بناحية بيرة الفرات ، وكان معي رجل يقال له الحاج حسين واللّه أعلم ، قال : ذهبت معه إلى ماء هناك للاغتسال ، فنزل المذكور إلى النهر فرآه عميقا ولا قدرة له على السباحة فيه ، فغط وأخرج رأسه وصرخ : إني هلكت ، وغط الثانية وأخرج رأسه لا يستطيع الكلام ، وأنا عاجز عن السباحة وما عندي أحد وثيابه بالقرب مني ، فهربت خوفا من الحكام وجئت إلى الشيخ ، فقال لي : أين الحاج حسين ؟ فقلت له : يا سيدي لا أدري ، فكرر الكلام ثانيا وثالثا وقال : أين هو ؟ فقلت : واللّه يا سيدي لا أعلم ، قال : يا مجنون ، الشيخ الذي لا يحمي مريده لا يكون شيخا . وبعد زمان طويل وإذا بالحاج حسين محمول ، انتفخ من الماء ، وفيه روح ، فعلقوه وجعلوا رأسه تحت وأقدامه فوق حتى نزل الماء من فيه وحصل الشفاء ، فسألته قال : كنت قطعت بالموت ، فرأيت يدا تدافعني إلى الساحل حتى خرجت سالما . هكذا أخبر والعهدة عليه . وله في كل سنة أيام الشتاء خلوة عامة يجتمع إليها المريدون فيصومون ثلاثة أيام ويأكلون عند المساء مقدار أوقيتين من الحريرة ورغيفا من الخبز أكثر من أوقية ، ولا يشربون الماء القراح ، بل يشربون القهوة ، ويستمرون في الذكر والعبادة آناء الليل وأطراف النهار ، وأما باقي الأيام فيقومون سحرا ويتهجدون على قدر طاقتهم ، ثم يأخذون في الذكر إلى وقت الإسفار ، ثم يصلون الصبح لكون الشيخ حنفيا ، ويقرؤون الأوراد إلى ارتفاع الشمس ، ويصلون الإشراق . وهكذا يفعلون العبادات في أوقات الصلوات المفروضات . وكانت وفاته في جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وألف ، وبلغ من العمر إحدى وسبعين سنة . ا ه . أقول : مكان الزاوية المذكورة في الترجمة في محلة البياضة أمام الجامع المعروف بالصروي ، وسميت الإخلاصية باسم من بنيت له ، ومكتوب على باب قبليتها : لك الحمد يا من أرشد الخلق للهدى * وسيّر في بحر التقى كل غوّاص وأرسل للشهبا الوزير محمدا * فأسدى بها المعروف للعام والخاص وأنشأ فيها مسجدا دام عامرا * بذكر وتوحيد مدى الزمن القاصي وأخلص في إنشائه متضرعا * إلى ربه العافي عن المذنب العاصي