محمد راغب الطباخ الحلبي
300
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ويسكر العقول بمعانيه الساحرة ، ينظم فيأتي بكل عجيبة ، ويشنف الأسماع بكل غريبة ، وينثر فيفتض أبكار الدقائق بنظره الثاقب ، ويجلي غياهب المشكلات بفكره الثاقب ، وقد تقمص جلابيب المعارف في عنفوان عمره ، فأسبغت عليه ظلها الوارف من ابتداء أمره . وقد توجه إلى الروم مقدرا أن يبلغ كل مروم ، ولم يعلم أن الحظوظ ليست بالعلوم . قال : لما ضاقت رقاع بلادي ، ونفدت حقيبة زادي ، فوّقت سهام الاحتيال ، وأجلت قداح الفال ، فكان معلاها السفر ، سفينة النجاة والظفر ، طفقت أتوكأ على عصا التيسار ، وأقتحم موارد القفار ، أفري فلاة يبعد دونها مسرى النعيّ ، وألطم خدود الأرض بأيدي المطيّ ، فكنت فتى قذفته رقة الحال على بريد النوى ، وأعتقته الهمة العاقرة وألقحت بعزمه لواقح المنى ، أساير عساكر النجوم والأفلاك ، وقد ركز الليل رمح السماك ، فأنخت بمخيم المجد ، وقرارة ماء السعد ، كعبة الأفاضل إلا أنهم يحجون إليها كل آن ، وسوق عكاظهم إلا أنها تنصب فيها مصاقع الروم لا مصاقع عدنان . فلما ألقتني فيها أرجوحة المقادير ، فإذا هي فلك العز ومطلع التدبير ، إلا أن حالي تقسمت فيها بين الاغتراب والاضطراب والاكتئاب أثلاثا ، فما نزلت منها منازل إلا حسبتها عليّ أجداثا ، وسقتني الدردي من أول دنها ، وسوء العشرة من باكورة فنها . كل هذا وأنا أستلين مس خشونتها ، وأسيغها على كدورتها ، وأقول إذا لم تتم الصدور فتتم العواقب ، وإن لم تريّش القوادم فستريّش الخوافي والجوانب . ثم أنشد له قوله من قصيدة نبوية مطلعها : سقى اللّه ذات الشيخ والعلم والفردا * وحيا الحيا وجه البشامة والزندا وما طلبي السقيا لها عن ظما بها * ولكن بسقياها بقلبي أرى بردا ومنها : وحلت خيوط الغاديات يد الصبا * على أنها من قبل قد أحكمت عقدا وقد أوقدت في مجمر الزهر عنبرا * يمين شمال من براد الندى أندى ذكرت بها ريا الحبيب وساعة * بها ابيضّ وجه الدهر من بعد ما اسودّا حبيب زنت عيني بعين جماله * فصيرت تزويج السهاد لها حدّا ومنها :