محمد راغب الطباخ الحلبي

236

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

ثم عدل وقال : آخذ له أبلوجين ، ثم حمل السكر من باياس ، فسقط عن الدابة ووقع في الماء حتى وصل إلى التلف ، وقدر اللّه أن البن والأرز كانا يباعان بأحسن ثمن فانحط ثمنها ، ففي الحال ذهب وأعطى بقية ما نذره في ضميره ، فما مضى ثلاثة أيام حتى باع الجميع بأرفع الأثمان . ومنها أني الفقير أردت أن آخذ مكانا خربا كان أصله يباع فيه غزل الصوف من مستحق وقفه ، فطلبته منه فامتنع ، ووقع في خاطري ، وكان المذكور كثيرا ما يزورنا في زاويتنا العشائرية ويدخل إلى بيتنا ، ولبيتنا باب آخر إلى الجراكسية وإلى الموضع الذي طلبته ، وما خرج المذكور قط من ذلك الباب ، فزارنا ودخل إلى بيتنا وفتح ذلك الباب وتوجه إلى ذلك المكان وأسند إليه ظهره زمانا طويلا ، ثم عاد إلى بيتنا وخرج إلى زاويتنا . ففي اليوم الثاني جاءني مستحق الوقف يطلب مني ما كنت ذكرته له ، وقضى اللّه المصلحة . ومنها أنه يوما من الأيام طلب ديوان حافظ « * » ، واستمر عنده نحو شهر وهو ينظر إليه ويقبله ، فبعد ذلك تواترت الأخبار أن الحافظ صار وزيرا أعظم وكان حينئذ في آمد . وكانت الهدايا والنذورات تأتيه على التوالي ، وتعطيه أرباب الدول المئآت من القروش بحيث إذا شفع في أعظم شفاعة تقبل ، مع أنه لا يدرك شيئا بالكلية لغلبة الجذب عليه ، حتى بنى له خليفته سيدي علي دكاكين وبيوتا ، وأخذ له خان الكتان ، واتخذ له قهوة بعض الدكاكين وقف ناصر الدين بن برهان ، وبعضها وقف زاوية بيت الشيخ دامان الشيخ إبراهيم الحبال وكتبها ( علي جلبي ) لنفسه ، فالخلوات ملك له ، ثم وقفها . وأما الأرضية فإنها للغير ، بعضها لجامع ناصر الدين بيك وبعضها لزاوية بيت الشيخ دامان في سويقة الحجارين ، واتخذ هذا البناء في زمن يسير ، وزاره الحافظ وهو الوزير الأعظم ، فأعطاه ألف دينار . ومن عجيب أمره أنه قبيل موته حضر لديه إنسان يشبهه من كل وجه بحيث لو رآه الصغير الذي لا يدرك شيئا وقيل له من هذا لقال أخو أصلان دده ، فادعى أنه أخوه وجلس هناك ، وسيدي علي ينكر ذلك ، فأحضر سيدي علي نائب المحكمة الصلاحية وأحضر هذا الرجل فقال : من أنت ؟ فقال : أنا فلان بن فلان وأمي فلانة ، فسمى أباه وأمه ،

--> ( * ) يقصد حافظ الشيرازي الشاعر الفارسي المتوفى سنة 792 .