محمد راغب الطباخ الحلبي

216

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

ونال من الرتبة ما لم ينله أحد ممن تقدمه . وكان له سخاء ومروءة وحمية . ومدحه شعراء عصره وخلدوا مدائحه في دواوينهم ، فمنهم حسين الجزري وفتح اللّه ابن النحاس وحسين بن جاندار البقاعي ، وفيه يقول بعض شعراء حلب : أبى الجود في الدنيا سواك لأنه * تفرّع من جود وأنت أبو الجود وأضدادك الوادي لهم سال واستوت * سفينة بحر العلم منك على الجودي وذكره البديعي في « ذكرى حبيب » وأثنى عليه كثيرا ، وقال في ترجمته : دخل مرّة على بعض الوزراء العظام ، ومجلسه غاص بالخاص والعام ، بعد غضب يمنع لذة الجهود ، ومن ذا يقر على زئير الأسود ، فخاطبه بجرس جهوري ، ولفظ جوهري ، يزيل الإحن من القلوب ، وتغفر بمثله الذنوب ، بما نصه : نام أعرابي ليلة عن جملة ففقده ، فلما طلع القمر وجده ، فرفع إلى اللّه يده وقال : أشهد أنك أعليته وجعلت السماء بيته ، ثم نظر إلى القمر وقال : إن اللّه صوّرك ونوّرك وعلى البروج دوّرك ، فإذا شاء قدّرك وإذا شاء كوّرك ، فلا أعلم مزيدا أسأله لك إلا الدوام ، ولئن أهديت إلى قلبي سروره لقد أهدى اللّه إليك نوره ، فأنا ذلك الأعرابي ، والوزير ذلك القمر المضي ، لقد أعلى اللّه قدره وأنفذ أمره ، ونظر إليه وإلى الذين يحسدونه فجعله فوقهم وجعلهم دونه ، فلا أعلم مزيدا أدعو به إلا الدوام ، فاللّه يديم له ظلال النعمة ومجال القدرة ومساق الدولة . ووقفت على تقريظ كتبه على مؤلف العلامة الطرابلسي الدمشقي الذي شرح به فرائض « ملتقى الأبحر » وهو : أمعنت النظر في هذا التحرير ، وأجلت الفكر فيما حواه من التصوير والتقرير ، فرأيته البحر المحيط إلا أنه ثجّاج ، والوبل الغزير خلا أنه موّاج ، وجزمت بأنه السحر الحلال ، والكمال الذي لا يحكيه في فنه كمال ، لا زالت شموس فوائد مؤلفه مشرقة ، ولا برحت أغصان فوائده مورقة ، ما زينت أقلام العلماء بوشي سطورها وجنات الطروس ، فأشرقت لذلك صدور الصدور إشراق الشموس . وكانت وفاته غرة صفر سنة تسع وثلاثين وألف وقد ناهز التسعين ، وهو في نشاط أبناء العشرين . وقيل في تاريخ موته : إن أبا الجود الذي فاق الورى * وروّج العلم وساد سؤددا